عرفت أن هذا لا يوجب التَّخْصِيص لدخولهم تحت العام دخولًا أوليًّا كما عرفته فيحصل
هذه الفَائدَة مع زيادة فَائدَة أخرى .
قَوْلُه تَعَالَى: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ(17)
قوله:(إنكار بعد إقامة الدلائل المتكاثرة على كمال قدرته وتناهي حكمته، والتفرد
بخلق ما عدد من مبدعاته لأن يساويه ويستحق مشاركته ما لا يقدر على خلق شيء من ذلك
بل على إيجاد شيء ما، وكان حق الكلام أفمن لا يخلق كمن يخلق، لكنه عكس تنبيهًا على
أنهم بالإشراك بالله سبحانه وتعالى جعلوه من جنس المخلوقات العجزة شبيهًا بها)إنكار
بعد إقامة الخ. إشَارَة إلَى أن معنى الهمزة لإنكار أن يساويه الخ. إنكار للوقوع وإبطال له
والبعدية مُسْتَفَادة من كلمة الفاء فلو قال إنكار عقيب إقامة الدلائل لكان أوفق لأداء المرام
فإذا أنكر المساواة يلزمه إنكار تسوية الْكُفَّار فهم وإن لم يقولوا بالمساواة لكن يلزم من
معاملتهم التسوية كما أشار إليه بقوله جعلوه من جنس المخلوقات الخ. والفاء مَعْطُوف عَلَى
مَحْذُوف أي أمن يقدر فيخلق كمن لا يخلق، أو التقدير فأمن يخلق لكن قدم الهمزة لاقتضاء
الصدارة فيكون جملة يخلق مَعْطُوفًا عَلَى ما قبله، وفي قوله جعلوه من جنس المخلوق نظر
لأن ذلك وإن سلم لكن صريح كلامهم وهو (هَؤُلَاء شفعاؤنا عند الله) .
وقولهم: (مَا نَعْبُدُهُمْ إلَّا ليُقَرّبُونَا إلَى اللَّه زُلْفَى) يأبى عنه فتأمل فيه. وبهذا ظهر
ضعف ما قيل ووجه آخر في العكس وهو أنهم بالغوا في الْعبَادَة لها أي جعلوها أصلًا
وعكسوا التَّشبيه لأن قصر عبادتهم عَلَى التقرب إلَى اللَّه تَعَالَى ينافي ما ذكر لأنهم بالغوا في
عبادة الله تَعَالَى عَلَى زعمهم. قال الفاضل المحشي يعني التشابه وجاز جعل كل منهما مشبهًا
ومشبهًا به، وهذا مُسْتَفَاد من قول الْمُصَنّف وكان من حق الْكَلَام أي بحسب الظَّاهر أفمن
لا يخلق لكنه عكس الخ. وإلا فكلامه تَعَالَى ظَاهر في جعلهم اللَّه تَعَالَى شبيهًا بالمخلوق ولا
يفهم منه كون الْكَلَام عَلَى التشابه وجواز جعل كل منهما مشبهًا ومشبهًا به إلا بملاحظة ما
ذكره المصنف. وحاصل الْجَوَاب ما ذكره بعض المَعْنَيَيْن أن وجه الشبه إذا قوي بين المشبه
والمشبه به رجع التشبيه إلَى التشابه كما يقال وجه الخَليفَة كالقمر والقمر كوجه الخَليفَة
والمشركون لما عاملوا الأصنام معاملة الإله الخالق ؛ إذ سموها آلهة وعدوها فلم يبق فرق بينها
وبين الله تَعَالَى عَمَّا يقول الظالمون عُلُوًّا كَبِيرًا فحصل التشابه فلذا عبر بما ذكر انتهى. وقد نبه
الْمُصَنّف في تفسير قَوْلُه تَعَالَى: (أفمن يعلم أنما أنزل إليك منْ رَبّكَ) عَلَى
أن المقصود من مثل هذا الْكَلَام التشابه لا التشبيه للعدول عن حق الْكَلَام .