قَوْلُه تَعَالَى: (ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا
هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (35)
قوله: (ذلكم) أي ذلك العذاب بأنكم أي بسَبَب أنكم أو ببدل أنكم اتخذتم أي
جعلتم آيات الله هزوا أي محل هزوًا وهزوًا نفسه مُبَالَغَة.
قوله: (استهزأتم بها ولم تتفكروا فيها) حاصل الْمَعْنَى وإشَارَة إلَى أن هزوًا بمعنى
محل هزوًا أو مهزوًا. قوله: ولم تتفكروا فيها عطف العلة عَلَى المعلول.
قوله: (فحسبتم أن لا حياة سواها) فذهلتم بها عن طلب الْآخرَة والسعي لها. قيل
الخطاب لمن لم يتحيروا أمرها [أوْ لهم] بناء عَلَى تناقض أقوالهم واخْتلَاف أحوالهم والأولى
الخطاب لجميع الْكُفَّار. قوله: فحسبتم إشارة إلَى أن الحسبان كان في ذلك فما ظنك بمن
اعتقد أن لا حياة سواها.
قوله: (وقرأ حمزة والكسائي بفتح الياء وضم الراء) أي من الثلاثي، فالْمَعْنَى حِينَئِذٍ لا
يقدرون الخروج مع أنهم يُريدُونَه الفاء للسببية والالْتفَات من الخطاب إلَى الغيبة
لانحطاطهم عن ساحة الخطاب ولو لوحظ كون الخطاب لمزيد التهديد يحسن الخطاب
ولذا التفت من الغيبة إلَى الخطاب في مواضع كثيرة.
قوله: ( [لا يطلب] منهم أن يعتبوا ربهم أي يرضوه لفوات أوانه) أي السين للطلب أي
يرضوه بالإيمان والعمل الصالح لفوات [أوانه] أي زمانه لأن الْآخرَة ليست دار التكليف
وأصل الإعتاب إزالة العتبى والعتب عَلَى أن همزة الإفعال للسلب فمعنى الإرضاء كنوي له
وقد مَرَّ في سورة الروم والسجدة تفصيله وتفسيره بوجه آخر.
قَوْلُه تَعَالَى: (فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(36)
قوله: (إذ الكل نعمة ودال عَلَى كمال قدرته) أَشَارَ إلَى أن الفاء للتفريع. والْمَعْنَى أن
الكل وجميع الأشياء نعمة منه تَعَالَى فاحمدوه حمدًا كائنًا من شعب الشكر فهو الحمد عَلَى
الجميل الاختياري أو الْمَعْنَى إذ كل من الْمَذْكُورين أما ما ذكر من أحوال الْمُؤْمنينَ فكونه
نعمة ظاهرة، وأما أحوال الْكَافرينَ فلكونها عبر أو مواعظ للمعتبرين والانتقام للأنبياء
والْمُرْسَلينَ وهذا الاحتمال هُوَ الْمُنَاسب للفاء التفريعية وكون اللام للجنس أولى من
الاسْتغْرَاق فيفيد الحصر وتقديم الخبر يؤكد الحصر وتكرير الرب للإشعار ما في الاستقلال.
قوله: رَبِّ الْعالَمِينَ. بدل ولذا ذكر بلا عطف وهذا يدل عَلَى أن رب السَّمَاوَات ورب الْأَرْض
عبارة عن جميع المخلوقين؛ إذ الْمُرَاد جانب العلو والسفل.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ولا يستعتبون يطلب منهم أن يعتبوا ربهم أي يرضوه. من قولهم استعتبته فأعتبني أي
استرضيته فأرضاني.