حتى بعث الله عليهم ريحًا باردة في ليلة شاتية، فأخصرتهم وسفت التراب في وجوههم
وأطفأت نيرانهم وقلعت خيامهم وماجت الخيل بعضها في بعض وكبرت الملائكة في
جوانب العسكر، فقال طليحة بن خويلد الأسدي أما محمد فقد بدأكم بالسحر فالنجاء النجاء
فانهزموا من غير قتال) لا حرب بينهم أي بين الفئتين فلا ينافي ما روي أن علينا - رضي الله تَعَالَى عنه -
بارز رجلًا منهم قوله: إلا الترامي بالنبل فيه إشَارَة إلَى أنه لا حرب بينهم بالتقاء الصفوف حتى
بعث الله نبه به عَلَى أن الفاء في فأرسلنا وإن دل عَلَى التعقيب لكن ليس باعْتبَار مبدأ المجيئة بل
باعْتبَار النهاية، ولك أن تقول: إنها للسببية بدون تعقيب، ريح الصبا مهبها مطلع الشمس إذا استوى
الليل والنهار في جميع البلدان. قوله باردة صفة موضحة فأخصرتهم أي جعلتهم خصرين مؤلمين
بالبرد والْفَاعل الريح لقوله وسفت التراب في وجوههم. أي رمته بالسين المهملة والفاء المخففة
أصله سفيت فاعل فصار سفت وقطعت خيامهم حتى وقعت في الْأَرْض وماجت الخيل أي
اضطربت واختلط بعضها ببعض وكبرت الْمَلَائكَة، والْمُرَاد بالجنود هَؤُلَاء الْمَلَائكَة وهم غير
مرئيين للْمُؤْمنينَ وإن رآهم رسول الله عَلَيْهِ السَّلَامُ. فالنجاء النجاء مصدر منصوب عَلَى أنه مَفْعُول
بفعل مضمر أي انجوا النجاة. وحاصله أي أسرعوا وفروا لتنجوا من سطوة أهل الْإسْلَام والتكرير
للتأكيد فانهزموا الخ. وهذه النعمة التي أمر الله الْمُؤْمنينَ بذكرها وتذكرها والقيام بشكرها، وأما
مجيئة جنود وعدها نعمة فلكونها سببًا لهذه النعمة الجسيمة وتمهيدًا لها .
قوله:(من حفر الخندق، وقرأ البصريان بالياء أي بما يعمل المشركون من التحزب
والمحاربة)من حفر الخندق بيان لما الموصولة. قوله: من التحزب أي التجمع والمحاربة
أي قصد المحاربة فلا ينافي ما مَرَّ .
قوله: (رائيًا) ولذا نصركم نصرًا مؤزرًا أو خذلهم الله بإلقاء الرعب في قُلُوبهمْ وتفريق
جمعهم والختام يناسب الأول مناسبة تامة .
قَوْلُه تَعَالَى: (إِذْ جاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ
الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10)
قوله: (بدل من إذ جاءتكم) بدل الكل فَائدَة البدل زيادة التقرير وتعلقه بما تعملون أو
بصيرًا ليس بمستحسن .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
الرجل إذا آلمه البرد في أطرافه، وخصرت يدي وخصر يومنا اشتد برده وماء خصير بارد هذا في
الصحاح. وفي الأساس: وهوم خصر بارد وخصرت أنامله من البرد وأخصرها الفقر .
قوله: وسفت التراب. من قولهم سفت الريح التراب تسفيه سفيًا إذا ذرته أي سفت ريح الصبا
التراب في وجوههم وغبرته .
قوله: [فالنجاء النجاء] أي انجوا بأنسفكم [النجاء] فهو مصدر منصوب بفعل مضمر أي انجوا [النجاء]
قوله: عن مستوى نظرها المستوي عَلَى صيغة اسم الْمَفْعُول الْمُرَاد به مكان الاستواء أي مالت
الأبصار عن محل استواء نظرها .