قَوْلُه تَعَالَى: (قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ
مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (32)
قوله: (قالت) اسْتئْنَاف فلذا اخْتيرَ الفصل كأنه قيل وماذا قالت حين شاهدت هذه
الأمور العجيبة والأحوال الغريبة بذلك فأجيب.
قوله: (أي فهو ذلك العبد الكنعاني الذي لمتنني فيه) أي إن فذلكن خبر مبتدأ
مَحْذُوف فحِينَئِذٍ دخلت الفاء عليه بعد حذفه وذلك الفاء جواب شرط مَحْذُوف فحِينَئِذٍ اسم
الموصول صفة اسم الإشَارَة وصيغة البعد للتعظيم وتفخيم شأنه.
قوله: (في الافتتان به) قيل قدر الْمُضَاف؛ إذ اللوم لا يكون عَلَى الذات بقرينة العقل
والقرينة عَلَى تعيين الْمَحْذُوف العادة؛ إذ هي دلت عَلَى أن اللوم كان عَلَى الْفعْل الاختياري
وهو الافتتان والمراودة؛ إذ الحب المفرط لا يلام صاحبه عليه لكونه غير اختياري.
قوله: ( [قبل أن] تتصورنه حق تصوره، ولو تصورتنه بما عاينتن) حق تصوره هذا القيد
مفهوم من الفحوى بحسب الواقع؛ إذ لومهن وقع قبل ذلك التصور بالمشاهدة كما أشار إليه
بقوله ولو [تصورتنه] بما عاينتن. وأشار به إلَى أنهن تصورنه بالْإخْبَار لكن البيان ليس كالعيان
في الإظهار.
قوله: (لعذرتنني) أي لجعلتنني معذورة في الافتتان الْمَذْكُورة؛ إذ لا طاقة للنساء الصبر
على مثله وهذا الْمَعْنَى مُسْتَفَاد من قولهن ما هذا بشرًا الخ.
قوله: (أو فهذا هُوَ الذي لمتنني فيه فوضع ذلك مَوْضع هذا رفعًا بمنزلة المشير إليه)
يعني أن ذلك مبتدأ والذي خبره ولا حذف في الْكَلَام حِينَئِذٍ كما كان في الأول، وإنَّمَا حمل
ذلك عَلَى معنى هذا لأن يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَامُ وقت اللوم غير حاضر ووقت خطاب راعيل
للنسوة حاضر فإن جعلت الإشَارَة باعْتبَار الزمان الأول كانت عَلَى أصلها كما في الوجه
الأول فلذا جعله خبرًا عن ضمير الغائب وإن جعلت الإشَارَة باعْتبَار الزمان الثاني كان قريبًا
فلا بد من نكتة في وضع ذلك موقع هذا، ونكتته ما ذكره المص بقوله رفعًا بمنزلة المشار
إليه فشبه رفعة منزلته بالبعيد فاستعمل ذلك فيه والكنعاني منسوب إلَى بلاد كنعان وهي
نواحي القدس.
قوله: (فامتنع طلبًا للعصمة) أي طالبًا لبقاء العصمة أو لزيادتها فمنشأ الامتناع العصمة
وبقاء العصمة مسبب من الامتناع فلا إشكال فدلالة استعصم عَلَى الامتناع بطَريق الإشَارَة لا
بطَريق الاقتضاء.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أي فهو ذلك العبد الكنعاني الذي لمتنني فيه. هذا عَلَى أن ذلكن الذي لمتنني فيه خبر
المبتدأ مَحْذُوف. وقوله أو فهذا هُوَ الذي لمتنني فيه عَلَى أن يكون ذلك مبتدأ خبره الذي لمتنني به
ولذا قال فوضع هذا مَوْضع ذلك.