الأول لأن حب الدُّنْيَا رأس كل خطيئة وأنه سبب للثاني مع مراعاة الفاصلة .
قوله:(الشَّيْطَان بأن يمنيكم المغفرة مع الإِصرار على المعصية، فإنها وإن أمكنت لكن
الذنب بهذا التوقع كتناول السم اعتمادًا على دفع الطبيعة)الشَّيْطَان لأنه فرد كامل من جنس
الغرور فتعريفه للجنس لا للعهد، فالْمَعْنَى أي المبالغ في الغرور والتغرير. قوله فإنها أي
الْمَغْفرَة مع الإصرار عَلَى المعصية سوى الكفر وإن أمكنت لجواز عفو الكبيرة فضلًا عن
الصغيرة ولو بلا توبة عند أهل السنة والجماعة، وفيه رد لما في الكَشَّاف بناء عَلَى الاعتزال.
قوله: كتناول السم الخ. فكما أن كثيرًا ما لا يدفع الطبيعة فيهلك فكَذَلكَ لا يغفر الذنب ولو
صغيرة فيهلك هلاكًا معنويًا، وفيه تشبيه الذنوب عَلَى السموم، كَمَا صَرَّحَ به في أواخر البقرة .
قوله: (وَقُرئَ بالضم وهو مصدر أو جمع كقعود) وَقُرئَ بالضم أي بضم الغين
مصدر غره متعديًا وهو يفيد المُبَالَغَة في صفة التغرير كأن الشَّيْطَان صار عين التغرير فهو
مجاز عقلي لا يقدر فيه الْمُضَاف ولا يجعل بمعنى اسم الْفَاعل لأنه يخل المُبَالَغَة أو جمع
غار. قوله كقعود ناظر إلَى الاحتمالين قدم الأول لإفادته المُبَالَغَة .
قَوْلُه تَعَالَى: (إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ(6)
قوله: (عداوة عامة قديمة) لأنها مبتدأة من الأبوين إلَى انقضاء دار التكليف، وهذا
معنى العموم والقدم. هذه الْجُمْلَة تعليل لما قبلها محققة له ولم يتعرض لتعليل الجزء الأول
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: بأن يمنيكم الْمَغْفرَة مع الإصرار عَلَى المعصية. قال الزَّمَخْشَريُّ في تفسير(ولا
يغرنكم باللَّه الغرور)ولا تقولن لكم أعمالكم اعملوا ما شئتم فإنَّ اللَّهَ غفور يغفر كل
كبيرة ويعفو عن كل خطيئة. قال صاحب الانتصاف: هذا تعريض باعتقاد أهل السنة وهذا لا يناقض
معتقدهم لأن الله سبحانه وتَعَالَى وعد العفو عن الكبائر وقرن الوعيد بالمشيئة في حق الموحدين
في مثل قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) . إلَى
هنا كلامه .
قوله: وهو مصدر غيره يقال غره غرورًا أو جمع. أي أو جمع غار كقعود في جمع قاعد. وعن
بعضهم الغرور الأباطيل وفعول في الأفعال المتعدية قليل، منه: لزمه لزومًا ونهكه المرض نهوكًا .
قوله: عداوة عامة قديمة فاتخذوه عدوًا في عقائدكم وأفعالكم. وفي الكَشَّاف:[أخبرنا الله عز وجل
أن الشيطان لنا عدوّ مبين، واقتص علينا قصته وما فعل بأبينا آدم عليه السلام، وكيف انتدب
لعداوة جنسنا من قبل وجوده وبعده، ونحن على ذلك نتولاه ونطيعه فيما يريد منا مما فيه هلاكنا،
فوعظنا عز وجل بأنه كما علمتم عدوّكم الذي لا عدوّ أعرق في العداوة منه، وأنتم تعاملونه معاملة
من لا علم له بحاله فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا في عقائدكم وأفعالكم، ولا يوجدن منكم إلا ما يدل على معاداته
ومناصبته في سركم وجهركم. ثم لخص سر أمره وخطأ من اتبعه بأنّ غرضه الذي يؤمه في دعوة
شيعته ومتبعي خطواته: هو أن يوردهم مورد الشقوة والهلاك، وأن يكونوا من أصحاب السعير. ثم
كشف الغطاء وقشر اللحاء، ليقطع الأطماع الفارغة والأمانى الكاذبة، فبنى الأمر كله على الإيمان والعمل وتركهما].