قوله: (لا معتمد لهم) أصلًا، وأمَّا تغرير الشَّيْطَان من الجن والإنس فليس من المعتمد
في شيء، وفي ظرفية الغرور لهم مُبَالَغَة لا تخفى.
قَوْلُه تَعَالَى: (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ(21)
قوله: (أم من يشار إليه ويقال هذا الذي يرزقكم) اختار هنا كون مَن موصولة وفيما سبق
حمله عَلَى الاسْتفْهَام للتفنن لا لعدم صحته وإذا [جعلت] موصولة فلا مساغ لجعل هذا خبرًا فهو
مبتدأ والموصول مع صلته خبره والْجُمْلَة صلة من ظاهرًا أو في التقدير مقول الْقَوْل كما أشار
إليه بقوله ويقال هذا الذي الخ. وخبر مَن مَحْذُوف وهو يرزقكم أي أمن هذا الذي يرزقكم، وإنما
قدر الْقَوْل لاستهجان أن يقال هذا الذي يرزقكم لإيهام أن هذا الْكَلَام مطابق لما في نفس الأمر.
فالْمَعْنَى أم من يشار إليه لأجل التحقير ويقال عَلَى زعمكم هذا الذي يرزقكم، ومعنى يشار إليه
يراد الإشَارَة إليه ويقال الخ. وإن جعل مَن هنا استفهامية كما مَرَّ لم يحتج إلَى تقدير الْقَوْل وإن
[جعلت] مَن موصولة هناك احتج إلَى تقدير الْقَوْل أَيْضًا بهذه العلة. والحاصل أن أم في الموضعين
يحتمل أن [تكون] متصلة أو منقطعة، ولفظة مَن إما موصولة أو استفهامية لكن الْمُصَنّف جعل أم
متصلة ومَن استفهامية في الأول ومنقطعة وموصولة في الثاني كما عرفته. وأشار بهذا التفنن إلَى
صحة كل منهما في الموضعين وإذا جعل أم هنا متصلة يكون عديله مَحْذُوفًا أي الذي رازق
الثقلين أم من يشار إليه الخ. كما يدل عليه قوله: (إن أمسك رزقه) (بإمساك
المطر وسائر الْأَسْباب المحصلة والموصلة له إليكم).
قوله: (بَلْ لَجُّوا) تمادوا) بل إضراب عط فهم من المقام وهو ليس
لهم رأي مستقيم جدًا بل لجوا في عتو الخ. (في عناد. [وَنُفُورٍ] . شراد عن الحق لتنفر طباعهم عنه) .
قَوْلُه تَعَالَى: (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(22)
قوله: (أَفَمَنْ يَمْشِي) بالفاء عطف عَلَى مَحْذُوف أي أمن يضل فيمشي مُكِبًّا حال من
الْفَاعل عَلَى وجهه متعلق بـ (مُكِبًّا) (أهدى) خبر مَن.
قوله: (يقال كببته فأكب وهو من الغرائب) حيث كان الثلاثي متعديًا وباب الإفعال
لازمًا مع أن الثلاثي اللازم إذا نقل إلَى الإفعال يكون متعديًا مثل ذهب وأذهب كرم وأكرم
وهو مع غرابته لا يخل بالفصاحة فإن الغرابة ليست من جهة المعنى بل من جهة مخالفته
الاسْتعْمَال المعروف في اللغة ومثل هذا لا يخل الفصاحة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: شراد عن الحق. من شرد البحر يشرد شرودًا وشرادًا أى نفر.
قوله: وهو من الغرائب. أي من قبيل غريب الاسْتعْمَال فإن الأكثر والغالب في الاستعمال أنه
إذا كان الْفعْل لازمًا في الثلاثي فهو من باب الإفعال يكون متعديًا وهذان الفعلان وهما أكب وأقشع
عكس ذلك الاسْتعْمَال ولهما نظائر مثل أنفض وألام يقال انعض القوم إذا هلكت أموالهم وألام
الرجل إذا أتى بما يُلام عليه.