الملك بيدي فعصرتها فيه وسقيت الملك فشرب فذلك قوله: (إني أراني أعصر خمرا)
وقال صاحب الطعام إني رأيت كأن فوق رأسي ثلاث سلال فيها الخبز وألوان
الأطعمة وإذا سباع الطير تنهش منه فذلك قوله: (وقال الآخر إني أراني)
الآية. كذا قاله الإمام، وما روي عن ابن مسعود من أنهما تحالما هُوَ الموافق لما سيجيء من
أنهما قالا كذبنا، لكن لا يلائم سوق النظم والتعويل عَلَى ما قاله مجاهد.
قَوْلُه تَعَالَى: (قالَ لاَ يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا
عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (37)
قوله: (أي بتأويل ما قصصتما عليَّ) أي من الرؤيا فالْمُرَاد بالتأويل تعبير الرؤيا
والْمَعْنَى حِينَئِذٍ لا يأتيكما طعام ترزقانه حسب عادتكما إلا أخبرتكما بتأويل ما قصصتما
عليَّ قبل أن يأتيكما ذلك الطعام الموقت. أراد به الاستعجال في التأويل اعترض عليه بأن
النظم الكريم ظَاهر في تعدد إتيان الطعام والْإخْبَار في التأويل وتجددهما وأن المقام مقام
إظهار فضله في فنون العلوم بحَيْثُ يدخل في ذلك تأويل رؤياهما دخولًا أوليًّا انتهى. ولا
يخفى عليك أن المقام مقام تأويل الرؤيا والحمل عليه هُوَ الظَّاهر الْمُتَبَادَر حسبما أمكن ولا
شك إمكان ذلك الحمل غاية الأمر أنه يسوغ الحمل عَلَى غير ذلك، ولذا قال المص أو
بتأويل الطعام وما ادعاه من أن النظم الجليل ظَاهر في تعددها لا يضر بعد اقتضاء السوق
الحمل عَلَى تأويل الرؤيا ويعدل عن الظَّاهر لو سلم ذلك، وإظهار الفضل يتحقق بالتأويل
الْمَذْكُور لأنه وقع كما أخبر وكفى به شاهدًا عَلَى كمال مهارته في فنه وبراعته في علمه مع
أن كون الحسن الاكتفاء بقدر الحاجة يرجحه.
قوله: (أو بتأويل الطعام يعني بيان ماهينه وكيفيته فإنه يشبه تفسير المشكل) فحِينَئِذٍ
الْمُرَاد بالتأويل معنى مجازي أشار إليه بقوله يعني بيان ماهيته وكيفيته أي بيانه من أي جنس
هو من جنس اللحم أو الشحم أو غير ذلك وأي لون هُوَ وكم هُوَ وكَيْفَ هُوَ حلو أو مر أو
نبأتكما بتأويل طعام أفيه سم أم لا؟ فإنه يشبه تفسير المشكل من حيث إنه يبين الطعام
المطلق المبهم يشبه التأويل بالنظر إلَى المشكل فأطلق التأويل عَلَى ذلك البيان اسْتعَارَة ولما
احتاج هذا الوجه إلَى التوجيه أخَّره، فالوجه الأول مؤيد بوجوه كثيرة.
قوله: كأنه أراد أن يدعوهما إلَى التوحيد ويرشدهما إلَى الطريق القويم) كأنه أراد
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فإنه يشبه تفسير المشكل. أي فإن بيان ماهية الطعام وكيفيته قبل الإتيان إليهما يشبه
تفسير المشكل يريد بيان وجه ذكر لفظ التأويل المستعمل في بيان المشكل من الْقُرْآن والْحَديث.
قوله: كأنه أراد أن يدعوهما إلَى التوحيد قبل أن يسعف إلَى ما سألا منه وذلك قوله قبل
تعبير رؤياهما (لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ) أي بتأويل الطعام قبل
إتيانه إليكما ببيان إنه ما هُوَ ومن أي نوع هُوَ وما كيفيته من اللون والطعم. ولا شك أن بيان ذلك
قبل حضوره عنده من قبيل العلم بالْغَيْب، وهذا هُوَ الْمَعْنَى بقول المص فقدم ما يكون معجزة له من