قَوْلُه تَعَالَى: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ(30)
قوله: (تَعَالَي فهذه من الأحوال التي من حقها أن تحضري فيها، وهي ما دل عليها:(مَا
يَأْتِيهِمْ)الآية. تَعَالَي بفتح التاء وفتح اللام وسكون الياء وهي في الأصل أمر
بالصعود إلَى مكان عالٍ ثم شاع في الأمر بالحضور مُطْلَقًا كما مَرَّ تفصيله في قَوْله تَعَالَى:
(قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) في أواخر سورة الأنعام وجعل
الحسرة منادى مَجَازًا لتنزيله منزلة العقلاء كقَوْله تَعَالَى: (يا أرض) و(يا
سماء)و (يا جبال) وجه التنزيل ما أشار إليه بقوله فهذه من
الأحوال الخ. ففي الْحَقيقَة بيان عظيم تلك الحالة العجيبة ثم أوضحه بقوله فإن
المستهزئين بالناصحين الخ.
قوله: (فإن المستهزئين بالناصحين المخلصين المنوط بنصحهم خير الدارين أحقاء)
فإن المستهزئين أشار به إلَى أن الْمُرَاد بالعباد المستهزئون بهم والتَّعْبير بالعباد للتنبيه عَلَى
أنهم خارجون عن مقتضى العُبُوديَّة وعاملون بخلافها فاللام للعهد أو للاسْتغْرَاق ثم خص
بهم فـ [حِينَئِذٍ] فيه إشَارَة إلَى أن كل عبد من العباد حقيق بأن يتحسر ؛ إذ لا يخلو أحد عن تقصير ما
إلا من رحمه الله تَعَالَى. قوله: بالناصحين الخ. وهم الرسل والجمع لأن الرَّسُول وإن كان
مفردًا لكنه نكرة في سياق النفي فيعم ومن الزائدة تؤكد الاسْتغْرَاق بطريق انقسام الآحاد إلَى
الآحاد، أو اسْتهْزَاء رسول واحد اسْتهْزَاء جميع الرسل، فالْمُرَاد بالعباد المجرمون مُطْلَقًا وليس
الْمُرَاد بهم أهل قرية فقط لأنه لا يلائم عموم الرَّسُول فيدخلون فيهم دخولًا أوليًّا إلا أن
يقال اسْتهْزَاء رسول واحد اسْتهْزَاء جميع الْمُرْسَلينَ ولا حاجة إلَى هذا التكلف.
قوله: (بان يتحسروا) وهذا لا يلائمه عَلَى العباد، إلا أن يقال إنهم يتحسرون عليهم
فالتغاير الاعتباري كافٍ في مثله.
قوله: (أو يتحسر عليهم، وقد تلهف على حالهم الملائكة والمؤمنون من الثقلين) أو
يتحسر عليهم وهو الظَّاهر لكنه أخَّره لطول ذيله. قوله وقد تلهف الخ. تحقيق لهذا
المضمون.
قوله: (ويجوز أن يكون تحسرًا من الله تَعَالَى عليهم) ويجوز الخ. هذا مقتضى ظَاهر
الْكَلَام، وأما في الأول فيحتاج إلَى التمحل كما أشار إليه أحقاء بأن يتحسروا فيكون يا حسرة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وهي ما دل عليها. أي تلك الحال هَاهُنَا ما دل عليها قوله: (ما يأتيهم)
الآية.
قوله: ويجوز أن يكون تحسرًا من الله عليهم عَلَى سبيل الاسْتعَارَة لتعظيم ما جنوه عَلَى
أنفسهم. لما استحال حَقيقَة التحسر عَلَى الله تَعَالَى لأن الحسرة حالة تعتري الْإنْسَان من غاية الندامة
على شيء. وقيل هي شدة الندم وهي لا يجوز عَلَى الله تَعَالَى حمله عَلَى الْمَجَاز المُسْتَعَار فالْمُرَاد
بها استعظام استهزائهم بالرسل كلما أتوهم.