وأحاط وهو كقَوْله تَعَالَى: (يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ)
الآية.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ(34)
قوله: (نترككم في العذاب ترك ما ينسى) لما كان النسيان محالًا في حقه تَعَالَى أوله
بلازمه؛ إذ الترك لازم للنسيان فهو مَجَاز مُرْسَل. قوله ترك المنسي مناسب للاسْتعَارَة التبعية
ويحتمل الاستعارة التمثيلية.
قوله: (كَما نَسِيتُمْ) الكاف للتعليل و (ما) مصدرية (كما تركتم) أي النسيان هنا اسْتعَارَة أَيْضًا.
قوله: (عُدّته) بضم العين وتشديد الدال ما أعد له مما لا بد منه مثل كراء المسافر
وراحلته وسائر مؤنته وفيه إشَارَة إلَى أنهم كالمسافرين كقوله عَلَيْهِ السَّلَامُ:"كن في الدُّنْيَا"
كأنك غريب أو عابر سبيل"فلا بد لهم أن يعدوا للسفر العميق عدة مما لا بد منه حتى"
يسهل لهم قطع المسافة والوصول إلَى البغية مع الأمن والسلامة.
قوله: (ولم تبالوا به) عطف متضمن لوجه الشبه فإن الشيء يترك وينسى لعدم المبالاة
به كذا قيل. حمل الكاف عَلَى التشبيه لكن لا ينافي العلية وعدم المبالاة بالشيء إما لحقارته
عنده أو لعدم اعتقاده كما فيما نحن فيه، ولم يلتفت إلَى ما قيل من أن التَّعْبير بالنسيان لا بد
منه من فطرتهم وتمكنهم منه لظهور دلائله فالنسيان الأول مشاكلة انتهى. لأن التمكن منه
باقٍ لا يزول فتعبير النسيان بالنظر إليه غير صحيح.
قوله: (وإضافة لقاء إلى يوم إضافة المصدر إلى ظرفه) إما مَجَازًا كقوله:(بل مكر
الليل والنهار)أجري الظَّرْف مجرى الْمَفْعُول به اتساعًا أو حَقيقَة بتقدير
الْمَفْعُول به أي لقاء الله في ذلك اليوم وكلام المص يحتملهما لا يَخْتَصُّ بالأخير ولم يجعل
اليوم مَفْعُولًا به بجعل اليوم اسم ظرف لا الظرف؛ إذ الْمُرَاد لقاء الله أي جزاؤه في ذلك اليوم
لا لقاء اليوم نفسه ولو أريد لقاء اليوم نفسه لتضمنه لقاء ما فيه لكان أبلغ لكونه كناية كقوله
تعالى: (وذكرهم بأيام الله) ونظائره كثيرة (ومأواكم النَّار)
فيه التفات للمُبَالَغَة في التهديد.
قوله: (وَمَا لَكُمْ من ناصرين) تقرير لما قبله.
قوله: (يخلصونكم منها) بقهر كما هُوَ الْمُتَبَادَر من ناصرين ويعلم منه بدلالة النص
أن لا شفيع لهم ولا يقبل منهم فدية، أو الْمَعْنَى يخلصونكم منها بقهر أو بشفاعة أو بفدية.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: نترككم في العذاب ترك ما ينسى. يريد أن النسيان مجاز مُسْتَعَار أو مَجَاز مُرْسَل إطلاق
اسم السبب عَلَى المسبب لامتناع إسناد حقيقته إلَى اللَّه سبحانه وتَعَالَى، ويجوز أن يحمل عَلَى
المشاكلة والازدواج لقوله: (كما نسيتم) .