قوله: (وإشعار بما لأجله لم يجعل ذلك للمؤمنين حتى يجتمع الناس على الإِيمان،
وهو أنه تمتع قليل بالإِضافة إلى ما لهم في الآخرة مخل به في الأغلب لما فيه من الآفات
قل من يتخلص عنها كما أشار إليه بقوله: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ)
لم يجعل ذلك أي التمتع بما ذكر من كون سقوف بيوتهم من فضة الخ. قوله: حتى
يجتمع علة لعدم الجعل وغاية له. يعني أن الجعل للغاية الْمَذْكُورة لم يوجد. قوله وهو أي
الذي لأجله لم يجعل أنه تمتع قليل كمًّا وكيفًا مخل به أي بالنعم الْأُخْرَويَّة في الأغلب، قيده
به لأن بعض المتيقظين يكسب بدنياه الْآخرَة، ولذا ورد"الدُّنْيَا مزرعة الْآخرَة".
قَوْلُه تَعَالَى: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ(36)
قوله: (يتعام ويعرض عنه لفرط اشتغاله بالمحسوسات وانهماكه في الشهوات)
التعامي إظهار العمى وليس له عمى. قوله ويعرض عنه عطف تفسير له؛ إذ الْمُرَاد
بالتعامي الإعراض. قوله بفرط اشتغاله الخ. مراده التَّنْبيه عَلَى ارتباطه بما قبله وصفة
الرحمن هنا أوقع من سائر الأسماء لأن فيه إشَارَة إلَى أن نزول الذكر وهو الْقُرْآن من
آثار الرحمة وأنه رحمة للْعَالَمينَ.
قوله:(وَقُرئَ «ومن يَعْشَ» بالفتح أي يعم يقال عشي إذا كان في بصره آفة وعشى إذا
تعشى بلا آفة كعرج وعرج) «ومن يَعْشَ» بالفتح أي بفتح الشين أي يعم بالْفعْل. قوله يقال الخ.
شروع في بيان الفرق بين القراءة بضم الشين وفتحها عشي من باب علم إذا كان في بصره
آفة بالْفعْل وعشَى من باب نصر إذا تعشى أي إذا نظر نظر العشى ولا آفة بها ولذلك قال في
تفسير يعشُ بضم الشين يتعام مثل تمارضت. وفي تفسير يعشَ بفتح الشين يعم أي يعمى من
الباب الثانى، والثاني أبلغ لأن الْمُرَاد في النظم الكريم كما عرفته الاعتراض اللازم للتعامي
والعمى والاعتراض اللازم للعمى أبلغ من الاعتراض اللازم للتعامي، وعلى كل قراءة الْمُرَاد
عمى القلب والإعراض عن الْقُرْآن وما فيه من العرفان مَجَازًا بذكر الملزوم وإرادة اللازم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
الفاني. ووجه إشعاره بعلة أنه تَعَالَى لم يمتع الْمُؤْمنين بمتاع الدُّنْيَا ليرغب فيه النَّاس ويجتمعوا عَلَى
الإيمان هُوَ إنباؤه عن أن الخيرة الأخيار لا يليق بهم أن [يمتعوا] بمتاع قليل زائل مانع في الأغلب
عن اكتساب ما به سعادتهم الْأُخْرَويَّة الأبدية قاطع الطرق الوصول إليه.
قوله: وقرئ «يَعْشَ» بالفتح. أي بفتح الشين وحذف الألف للجزم لأنه شرط مجزوم لأن من
متضمنة معنى الشرط ونقيض بالجزم جزاؤه فالقراءة بالفتح من باب علم يعلم كعمي يعمى وزنًا
وقرينة معنى والقراءة بالضم من باب قتل يقتل، والفرق بَيْنَهُمَا من جهة الْمَعْنَى أنه إذا حصلت الآفة
في بصره قيل عشي. وإذا نظر نظر العشى ولا آفة به قيل عشى أي تعامى. ونظيره عرِج بالكسر لمن به
الآفة وعرَج بالفتح لمن مشى [مشية] العرجان من غير آفة في رجليه.