الْحَرامُ بالشَّهْر الْحَرام) لكونه حكمًا كليًا مشتملًا عليه وعلى غيره، لكن هذا البيان يفيد أنه مقرر له.
وأما كونه فذلكة له فلا، والْقَوْل في توجيهه ومعنى كونه فذلكة أن فذلكة الحساب كما يتفرع
على التَّفْصيل السابق متفرع عَلَى قوله: (وَالْحُرُمَاتُ قصَاصٌ) ونتيجة بعيد؛ لأنه إخراج
الْكَلَام عن معناه المُتَعَارَف والأقرب ما قيل ومعنى فذلكة التقرير أنه يجمل ما يقرر قوله
(وَالْحُرُمَاتُ قصَاصٌ) فكأنه قال من اعتدى بكذا اعتدوا بمثله ومن اعتدى بكذا فاعتدوا بمثله
إلى آخر ما يفصل به هذا الحكم ثم قال (فَمَن اعْتَدَى) لإجمال هذا التَّفْصيل وعدل عن قول
الزَّمَخْشَريّ أنه تأكيد؛ لأن التَّأْكيد لا يعطف بالفاء إلا أن تجعلها اعتراضية وبعض المتأخّرين
ترك ذكر الفذلكة هناك ولقد أصاب لأنه لا يخلو عن تمحل، وَأَيْضًا الْمُرَاد فذلكة تقرير قوله:
(وَالْحُرُمَاتُ قصَاصٌ) أو قوله: (الشَّهْرُ الْحَرامُ بالشَّهْر الْحَرام) اضطرب فيه كلام أرباب الحواشي.
قوله: (في الانتصار ولا تعتدوا إلى ما لم يرخص لكم) والانتصار أخذ الانتقام عَلَى
وجه شرعي وهو الاحتراز عن تجاوز الحد فلذا قال فلا تعتدوا إلَى ما لم يرخص لكم فهذا
تذييل لما قبله وتقرير له.
قوله: (فيحرسهم ويصلح شأنهم) أشار إلَى أن معنى المعية الحفظ والعون اللازم له
إما كناية أو مَجَازًا وهذا الْكَلَام ترغيب للاتقاء وتقرير له ومناسبة هذا الختم لأوله ظَاهر إذ
قوله: (الشهر الحرام) الخ. معتبر فيه المماثلة كما نبه عليها بقوله بمثله
فختم الْكَلَام بالاتقاء عن تجاوز المثل والوعد عَلَى حفظ المماثلة من أقوى مراعاة النظير.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَأَنْفقُوا في سَبيل اللَّه وَلا تُلْقُوا بأَيْديكُمْ إلَى التَّهْلُكَة وَأَحْسنُوا إنَّ اللَّهَ يُحبُّ
الْمُحْسنينَ (195)
قوله: (ولا تمسكوا كل الإمساك) نبه به عَلَى أن الْمُرَاد إنفاق بعض الأموال كما
صرح به في قَوْله تَعَالَى: (وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفقُونَ) ونهى عن الإسراف كما أنه
نهى عن البخل والأمر وإن لم يقتض التكرار والْفعْل المثبت وإن دل عَلَى الماهيَّة ولا عموم
له لكن الْمُرَاد هنا التكرار إن أريد به الزكاة فيتكرر في كل سنة بتكرر سببه وهو حولان
الحول وكذا إن أريد العموم فإن الإنفاق في سبيل الله تطوعًا يتكرر بتكرر سببه وهو دفع
احتياج المساكين وتخليص النفس عن البخل المذموم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: فيحرسهم. معنى الحراسة مُسْتَفَاد من القرب المدلول عليه بكلمة مع.
قوله: ولا تمسكوا كل الإمساك. معنى الاقتصاد في أمر الإنفاق مُسْتَفَاد من مقابلته للنهي عن
الإسراف المفاد بقوله: (ولا تلقوا) الآية. وإلا فلا دلالة في مجرد الأمر بالإنفاق
على النهي عن الإمساك الكلي.