وفيه إشَارَة إلَى أنه مَعْطُوف عَلَى قوله: (يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ) وبه
صرح الإمام ففيه دلالة عَلَى أن الْكُفَّار مخاطبون بالفروع في حق المؤاخذة في الْآخرَة
كما مَرَّ. قيل وَلَا بُعْدَ فِيهِ معنى وإن بعد لفظًا للطول الفاحش بين المتعاطفين، ويلزم منه
كون ما ذكر بَيْنَهُمَا جملًا معترضة وهو بعيد. وفي [الكَشَّاف] : وهو مَعْطُوف عَلَى قوله:
(يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ) أي لا يؤمن بالبعث فلا صدق بالرَّسُول والْقُرْآن
ولا صلى فلزم ما ذكر ولو قيل إنه مَعْطُوف عَلَى قوله: (إلَى ربك يومئذٍ المساق)
معنى فإن معناه سوقه إلَى مَوْضع أمره الله تَعَالَى بسوقه إليه وهو مقر
عذابه قبل البعث. أي لا يؤمن بذلك فلا صدق الخ. أو مَعْطُوف عَلَى مقدر أي لا يؤمن
بالبعث فلا صدق الخ. كما نبه عليه الزَّمَخْشَريُّ. فقوله إنه مَعْطُوف عَلَى قوله:(يَسْأَلُ
أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ)لدلالته عَلَى الْمَعْطُوف عليه الْمَحْذُوف لم يبعد.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى(32)
قوله: (عن الطاعة) صلة (تَوَلَّى) ومَفْعُول كذب ما مَرَّ مما يجب تصديقه وهذا
الاستدراك ظَاهر عَلَى الوجه الثاني لأنه لا يلزم من نفي التصدق والصلاة التَّكْذيب كما في
عصاة الْمُؤْمنينَ، وأما إذا كان من التصديق يلزم التكرار ووقوع (لا) بين أمرين متوافقين وهذا
لا يجوز كما قاله أبو حيان. والْجَوَاب أنه كما عرفت أنه مَعْطُوف عَلَى قوله: (يَسْأَلُ أَيَّانَ)
الخ. وقد مَرَّ أنه سؤال اسْتهْزَاء، فالْمَعْنَى أنه استبعد البعث وأنكره وكان هذا سببًا
لعدم تصديق ما يجب تصديقه وإعراضه عن إتيان الفروع ثم أكد بذكر ما يضاده؛ إذ عدم
التصديق عام للتَكْذيب والشك وخالي الذهن والمقام مقام التوبيخ عَلَى مثالبهم، وعن هذا
اخْتيرَ الإطناب ولو اكتفى بقوله: فـ (كذب وتولى) لكفى.
قَوْلُه تَعَالَى: (ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى(33)
قوله: (ثم ذهب) من مَوْضع التَّكْذيب وهو إما في حضور رسول الله عَلَيْهِ السَّلَامُ أو
في مجلس الصحابة.
قوله: (يتبختر افتخارًا بذلك) معنى (يَتَمَطَّى) وهذا منشأ الاستبعاد افتخارًا بذلك أي
بذلك التَّكْذيب هذا مُسْتَفَاد من العطف بـ ثم فإنه باعْتبَار أصله يفيد الترتيب وإن كان الْمُرَاد
بـ ثم الاستبعاد.
قوله: (من [المط، فإن] المتبختر يمد خطاه) أي يتمطى مُشْتَق من المط وهو المد. قوله
فإن المتبختر الخ. بيان المناسبة فيكون مَجَازًا ذكر اللازم وأريد الملزوم ثم شاع فيه وصار
كالْحَقيقَة صيغة الْمُضَارِع بعد ذهب؛ إذ التمطي مستقبل بالنسبة إلَى الذهاب وإن كانا ماضيين
بالنسبة إلَى وقت الْإخْبَار، وثم للاستبعاد لأن من تصدى بمثل ذلك يَنْبَغي أن يخاف من
غضب الله تَعَالَى والحركة عَلَى خلاف ذلك مستغرب جدًا.