قوله: (من عراه يعروه إذا أصابه) فالاعتراء بمعنى الثلاثي قيل وأصله من اعتراه
بمعنى قصد عراه من هُوَ محله وناحيته ومعناه خبله وأفسد عقله.
قوله: (بعض آلهتنا بسوء) قيد البعض إشَارَة إلَى أن البعض يكفي في ذلك.
قوله: (بجنون لسبك إياها وصدك عنها) الباء للتعدية. والْمَعْنَى أوصلك بعض آلهتنا
جنونًا فهم يقصدون بذلك إنك لمجنون كما هُوَ دأب السفهاء حين عجزوا عن المدافعة
بالطريقة الغراء حمل السوء عَلَى الجنون بقرينة إن أمثالهم ادعوا الجنون لناصحهم
ولمرشدهم صريحًا وبقرينة أن السوء الظاهري منتف، وأَيْضًا قَوْلُه تَعَالَى حكاية عنهم:(قَالَ
الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ)الآية. كالصريح فيه فلا
جرم أنهم أرادوا به ذلك، وإنَّمَا عبروا باللَّفْظ العام للإشَارَة إلَى أنه جزاء سوء فعله وجزاء
سيئة سيئة؛ ولهذا قال الْمُصَنّف لسبِّك إياها بأنها جماد لا يقدر النفع والضر. والأَوْلَى الاكتفاء
لقوله وصدك عنها لأن قَوْلُه تَعَالَى:(وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا
بِغَيْرِ عِلْمٍ)الآية. لا يلائمه.
قوله: (ومن ذلك تهذي) من الهذيان وصيغة الْمُضَارِع للاسْتمْرَار.
قوله: (وتتكلم بالخرافات. والْجُمْلَة مقول الْقَوْل وإلا لغو والاستثناء مفرغ) الخرافات
جمع خرافة بتخفيف الراء، ثم إن هذا الْقَوْل منهم إما لفرط جهلهم وغلظة أكبادهم اعتقدوا أن
آلهتهم وهي جماد تقدر الضر والعقاب فحِينَئِذٍ يتوقعون منها النفع والثواب، أو اعتقدوا أنها
سبب لذلك وهذا الأخير هُوَ الظَّاهر الْمُتَبَادَر لكن كلام الزمخشري يميل إلَى الأول. وقصة
إبْرَاهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ ومحاجته قومه حيث قال:(وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي
شَيْئًا)الآية. يقوي الثاني والْجُمْلَة مقول الْقَوْل أي الْقَوْل المقدر أو الْقَوْل
الملفوظ، ويؤيده قوله وإلا لغو أي لا يعمل إلا في المفرغ وإن عمل في غيره كما قيل وإذا لم
تعمل إلا في مقول الْقَوْل فهو مَفْعُول للْقَوْل الملفوظ ولا حاجة إلَى التقدير وقد مَرَّ تَوضيحُهُ.
قَوْلُه تَعَالَى: (مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنْظِرُونِ(55)
قوله: (أجاب به عن مقالتهم الحمقاء) أي جملة قَالَ (إني أشهد الله) اسْتئْنَاف وعن هذا
ترك العطف عن مقالتهم الحمقاء مجاز عقلي ولقد بالغ في وصفهم بالحمق والسفاهة
والسخافة بادعاء أن حمقهم بلغ إلَى غايته القصوى بحَيْثُ يتعدى إلَى كلماتهم الشنعاء.
قوله: (بأن أشهد الله عَلَى براءته) يشير إلَى أني بريء من باب التنازع.
قوله: (من آلهتهم وفراغه من إضرارهم) يعني أن ما في (مما تشركون) .
موصولة لا مصدرية وجوز الزَّمَخْشَريّ كونها مصدرًا ولم يرض به الْمُصَنّف والتَّعْبير به
لكونهم جمادًا كما سيصرح به، ثم حمل البراءة عنهم عَلَى الفراغ عن إضرارهم بقرينة أن هذا
جواب عن ادعاء إضرار بعض آلهتهم إياه عَلَيْهِ السَّلَامُ، وفيه رمز إلَى زجرهم عن توقع النفع
عن مثل هذا الحقير وترغيب إلَى القادر الخبير.