بها لا يكون بمجرد الأبصار وكذا أكثر الأدلة الْعَقْليَّة ولذا ترى الأصم محرومًا عن الكمال
بالمرة بخلاف الأعمى فإن بعضهم يرتقي في الْكَمَال مبلغًا لا يصل إليه بعض المبصرين
وناهيك دليلًا عَلَى كون استفادة العقل من السمع أكثر وللتنبيه عَلَى شرافته قدم عَلَى البصر
في أكثر مواضع من الْقُرْآن ومن الأخبار وقدم أحوال الليل لتقدم الليل في الوجود، وعن هذا
قدم أَيْضًا في الآية التي تليها .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ (73)
قوله: (ومن رحمته) أي وبسَبَب رحمته فمن سببية. جعل أي خلق لأجلكم الليل ؛ إذ
الليل وإن كان عبارة عن الظلمة وهي عدم ملكة يتعلق به الخلق .
قوله: (أي في الليل) أَشَارَ إلَى أن الْكَلَام لف ونشر مرتب .
قوله: (وَلِتَبْتَغُوا [مِنْ فَضْلِهِ] . في النهار) أعيد اللام للتنبيه عَلَى استقلاله. قوله في النهار نبه به عَلَى
أن فيه مَحْذُوفًا اكتفاء بالأول (من فضله) قيد للأخير أولهما الضَّمير في (من فضله) راجع إلَى
الله تَعَالَى ونفي للإيجاب عنه والوجود عليه الظَّاهر أنه علة للمعلل إذا لـ جعل معلل بالرحمة
والمجموع معلل بالفضل والإحسان بل الأظهر أنه كالتَّأْكيد لـ من رحمته وفيه ترغيب للسعي
الجميل في طلب الرزق كما ورد الكاعب حبيب الله. وورد أَيْضًا فاتَّقُوا اللَّهَ فأجملوا في
الطلب. أمرٌ من الإجمال أو من الجميل .
قوله: (ولكي تعرفوا نعمة الله في ذلك [فتشكروه] عليها) أي لعل هنا للتعليل دون
الترجي ومحمول عَلَى الاسْتعَارَة التمثيلية لا بمعنى كي فإن المص رده في اوائل سورة
البقرة بأنه ضعيف والمعرفة لازم متقدم عَلَى الشكر فيكون ثابتًا [باقتضاء] النص .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ(74)
قوله:(تقريع بعد تقريع للإشعار بأنه لا شيء أجلب لغضب الله من الإِشراك به،
أو الأول لتقرير فساد رأيهم والثاني لبيان أنه لم يكن عن سند وإنما كان محض تشه وهوى)
تقريع الخ. أي السؤال للتقريع بعد تقريع لكونه أعظم الجرائم ذكر مرة بعد مرة [أحْرى] للتحذير
عنه عَلَى الوجه [الأحْرى] أو لا إعادة إلا في اللَّفْظ لتغاير الْمُرَاد في الموضعين ؛ إذ الأول لتقرير
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
المنافع أم أنتم صم عن سماع ما ينفعكم. وقوله (يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) معناه أفلا
تستدركون من ذلك ما يجب استدراكه. إلَى هنا كلامه .
قوله: تقريع بعد تقريع. قال صاحب الكَشَّاف: في تكرير التوبيخ باتخاذ الشركاء إيذان بأن لا
شيء أجلب لغضب الله من الإشراك به كما لا شيء أدخل في مرضاته من توحيده. اللهم كما أدخلتنا
في أهل توحيدك فأدخلنا في الناجين من وعيدك .