قوله: (وعن عمر رضي الله تعالى عنه «أنه لما نزلت قال لم أعلم ما هو فلما كان يوم بدر
رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يلبس الدرع ويقول. (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ، فعلمته») أي ما هُوَ
الْمُرَاد من قَوْلُه تَعَالَى: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ) الآية. وهذا لا يلائم ما قلنا من أن
اللام في الجمع للعهد والمعهود جمع في قَوْله تَعَالَى: (نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ) .
إلا أن يقال معلوميته له عَلَيْهِ السَّلَامُ كافٍ في ذلك. قيل وهذا الْحَديث صحيح متصل رواه
الطبراني وغيره. قول عمر - رضي الله تَعَالَى عنه - لما نزلت قال الخ. كالصريح في أن الآية مكية
من دلائل النبوة كما صححه ابن حجر في تخريج أحاديث الكَشَّاف فظهر ضعف ما قيل من
أن هذه الآية مدنية؛ لأن غزوة بدر بعد الهجرة وأن هذه الآية مُسْتَثْنَى من كون السُّورَة مكية
فد مر الإشَارَة إليه في أول السُّورَة الكريمة.
قَوْلُه تَعَالَى: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ(46)
قوله: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ) موعد عذابهم الأصلي وما يحيق بهم في
الدنيا فمن طلائعه) (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ) إضراب وترق من مقدر أي ليس هذا [المقدار] من
العذاب تمام ما يستحق بهم من العقوبة (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ) وإليه أشار
بقوله: موعد عذابهم الأصلي الخ. قدر المضاف؛ إذ الموعد موعد العذاب فالْإضَافَة إليهم
لأدنى ملابسة والموعد مصدر ميمي بمعنى الوعد، والساعة أظهرت في مَوْضع المضمر لتربية
التهويل فإنها علم للداهية الكبرى.
قوله: (أشد، والداهية أمر فظيع لا يهتدي لدوائه) منكر فـ أدهى اسم تفضل منها أي
عذاب الساعة أشد داهية أي فظاعة من عذاب الدُّنْيَا كَمًّا وَكَيفًا. أما الأول فلأن عذابها غير
متناهية وعذاب الدُّنْيَا متناه، والثاني فلأن عذاب الْآخرَة أشد منها وإليه أشير بقوله (وَأَمَرُّ مذاقًا من عذاب الدنيا) ولذا
قال مذاقًا من عذاب الدُّنْيَا لأن عذابها كما عرفت من طلائعه جمع طليعة من مقدمة الجيش
اسْتعَارَة، ولا ريب أن المقدمة نبذة من الجيش، وكذا عذاب الدُّنْيَا نبذة من عذابها. قوله لدوائه
أي لما يزيله فهو اسْتعَارَة هنا ويفهم منه أن الداهية أي المصيبة العظيمة مسْتعَارَة ومشبهة
للمرض الذي لا يرجى برؤه ولا زواله اسْتعَارَة مكنية.
قوله: (مذاقًا من عذاب الدُّنْيَا) قرينة عَلَى أن (أَمَرُّ) تفضيل من المرارة ضد الحلاوة
على أنه اسْتعَارَة، وأما كونه بمعنى أقوى عَلَى أنه من قولهم (ذُو مِرَّةٍ) فبعيد في نفسه هنا ولا
يلائم كلام الْمُصَنّف أَيْضًا.
قَوْلُه تَعَالَى: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ(47)
قوله: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ) أي جميعهم من الأولين والآخرين عَلَى أن اللام للاسْتغْرَاق
فيكون كالتعليل لما قبله ولذا أكد بـ إنَّ واخْتيرَ الفصل فلا يكون من وضع المظهر مَوْضع
المضمر، وإن حمل اللام عَلَى العهد يكون من هذا الباب فيكون تأكيدًا لما قبله.
قوله: (عن الحق في الدُّنْيَا) .