على أن النَّار بالذات معدة للكافرين وبالعرض للعصاة) (واتقوا النَّار) أي
صونوا أنفسكم من العذاب في جهنم بالاحتراز عن التعاطي بسببه من الأقوال والأفعال
والأخلاق. وهذا مراده بقوله بالتَّجَوُّز عن متابعتهم أي متابعة الْكَافرينَ وتعاطي أفعالهم سوى
كفرهم فإنه [حِينَئِذٍ] بكونه من زمرتهم مع أن الخطاب للْمُؤْمنينَ فالْمُرَاد بالتَّقْوَى الْمَعْنَى اللغوي
والْقَوْل بأن الْكَافرينَ وضع مَوْضع المرائين للتغليظ والتهديد لا يلائم قوله وفيه تنبيه الخ. فإنه
يقتضي كون الْمُرَاد الكافر حَقيقَة. أي المقصود بالذات أولًا من خلق النَّار تعذيب الْكَافرينَ
لدوام عذابهم فيها، وأما قصد عذاب عصاة الْمُسْلمينَ بها فبالعرض لأن عذابهم لأجل متابعتهم
وتعاطي أفعالهم وانقطاع عذابهم لكن قد بين المص في سورة الحجر أن الدركات الفوقية
لعصاة الموحدين وكونها مخلوقة بالعرض للعصاة محل تأمل فليتأمل.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(132)
قوله: (أتبع الوعيد بالوعد ترهيبًا عن المخالفة وترغيبًا في الطاعة) بيان ارتباطه إلَى ما
قبله، والعطف باعْتبَار الجامع الخيالي أو الوهمي.
قوله: (ولعل وعسى في أمثال ذلك دليل عزة التوصل إلى ما جعل خبرا له)
وهو الفلاح والرحمة هنا. وجه كونه دليلًا عَلَى ذلك هُوَ أن المفهوم من ظاهره أن الإطاعة
الْمَذْكُورة لا يوجب الجزم بالرحمة لما بين في سورة البقرة أن العامل كأجير أخذ أجرته
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وفيه تنبيه عَلَى أن النَّار بالذات معدة للكفار وبالعرض للعصاة هذه النكتة إنما هي عَلَى
صرف اللام في للكافرين إلَى الجنس لا إلَى العهد والإشَارَة إلَى آكلة الربا من عصاة الْمُؤْمنينَ
إدراجًا لهم بوضع المظهر مَوْضع المضمر في سلك الْكُفَّار تغليظًا كما فعله بعض من شراح
الكَشَّاف أما وجه ذلك التَّنْبيه فما قال أبو حنيفة رحمه الله هي أخوف آية في الْقُرْآن حيث أوعد الله
الْمُؤْمنينَ بالنَّار المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه.
قوله: ولعل وعسى في أمثال ذلك دليل عزة التوصل إلَى ما جعل خبرًا له وهو الفلاح في الأول
والرحمة في الثاني. وجه الدلالة عَلَى ذلك الْمَعْنَى هُوَ إفادة الْكَلَام أن التقوى التي هي فرط التجنب عن
المعاصي والإتيان بالأوامر وإطاعة الله ورسوله في جميع الأمور غايتهما الرجاء لا الجزم وأن المتقين
والمطيعين فإن كانوا مجدين ومبالغين في التَّقْوَى والطاعة لا يَنْبَغي لهم أن يجزموا بحصول الفلاح
والرحمة بل غاية أمرهم الرجاء من فضل الله الكريم الرحيم لا الحرم بحصول الْمُرَاد اتكاء بما فعلوا من
التَّقْوَى والطاعة لما ذكر في تفسير قَوْلُه تَعَالَى:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ
قَبْلِكُمْ)أن الآية تدل عَلَى أن العبد لا يستحق بعبادته عليه ثوابًا فإنها لما وجب عليه شكرًا
لما عدده عليه من النعم السابقة فهو كأجير أخذ الأجر قبيل العمل.