قَوْلُه تَعَالَى: (قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى
كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً
لِأُولِي الْأَبْصارِ (13)
قوله: (الخطاب لقريش) أي لمشركي العرب هذا ناظر إلَى كون تحشرون لمشركي
العرب كما قد يُفهم من التَّعْبير بالْمَاضي فتذكر .
قوله: (أو لليهود) هذا ناظر إلَى كون الخطاب لليهود فيكون الْمَاضي في بابه إذ
الخطاب بعد وقعة بدر رجحه بعضهم كما مر، فالْمَعْنَى قد كان لكم أيها المغترون بعددهم
وعددهم آية جسيمة عَلَى تحقق ما يقال لكم من أنكم ستغلبون أفلا تتدبرون الآيات أم عَلَى
قلوبكم الأققال .
قوله: (وقيل للْمُؤْمنينَ) لم يتقدم فيما مَرَّ معنى يناسبه وعن هذا مرضه، إلا أن يقال إن
الآية التي كانت باعثة عَلَى تنبه الكفرة وإسلامهم كانت موجبة لزيارة اطمئنان الْمُؤْمنينَ
وثباتهم في حروب المجرمين وبهذا ساغ الخطاب لهم مع ضعف (في فئتين) صفة لـ آية
فيكون الظَّرْف مرفوع المحل، والْقَوْل بأنه منصوب عَلَى أنه خبر كان والظَّرْف الأول متعلق
بمَحْذُوف وقع حالًا من آية ضعيف ؛ إذ محط الفَائدَة كون الآية آية لهم ولا يكون ذلك إلا
بكونه خبرًا لـ كان (فئة) خبر مبتدأ مَحْذُوف أي إحداهما فئة ولم يقدم قراءة الجر عَلَى
البدلية مع سلامته عن الحذف لأن فيه تأكيدًا بجعله جملة اسمية دالة عَلَى الدوام قدمت
هذه الفئة لشرافتها (تقاتل) صيغة الْمُضَارِع له لحكاية الحال الْمَاضية لغرابته أو للاسْتمْرَار
أي هم قاتلوا (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وطلبًا لمرضاة الله وهم في صدد ذلك بعد
فالْمُضَارِع للاسْتمْرَار وفيه ثناء عظيم عَلَى الْمُسْلمينَ (وأخرى كافرة) أي وثانيهما فئة أخر)
مغاير للأولى في صفتهم العليا فهي مَعْطُوفة عَلَى الْجُمْلَة الأولى. وقيل نعت لمبتدأ مَحْذُوف
مَعْطُوف عَلَى ما حذف من الْجُمْلَة الأولى أي وفئة أخرى وفيه من المسامحة لأن القائل
جعل فئة الأولى خبر المبتدأ مَحْذُوف فالْمُنَاسب هنا أن يكون نعتًا لخبر مَحْذُوف كما ذكرنا
فـ [حِينَئِذٍ] يكون (قوله كافرة) خبر المبتدأ مَحْذُوف أي هي كافرة، وإنما لم يصف بالْمُؤْمِنَةِ [إشعارًا]
بأن القتال في سبيل الله منحصر في الْمُؤْمنينَ فلا حاجة إلَى ذكرهم بل يعد ذكرهم إطنابا
وإنما لم يعكس للتَشْريف بذكر مناقبهم وبيان مآثرهم، وهنا ذكرت بالكفر الذي هُوَ أعظم
الجرائم وأقبح المثالب وهو يشعر بأنهم يقاتلون في سبيل الطاغوت، كَمَا صَرَّحَ به في سورة
النساء فهو في صورة صنعة الاحتباك كما فهم من التقرير الْمَذْكُور .