الْآخرَة ظاهر، وأما في الدُّنْيَا فلأنهم لا يجازون بالْأَعْمَال فلا تكون سببًا لدفع الهوان
والخزي عنهم كما كانت سببًا له في حق المخلصين.
قوله: (الَّذينَ خسروا الدُّنْيَا) كما يدل عليه ما قبله فلا إشكال في الحصر (والْآخرَة) .
قَوْلُه تَعَالَى: (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ
وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا
أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (70)
قوله: (أغرقوا بالطوفان) فعلان من الطوف لأنه يطوف ويعم وواحده في الْقيَاس طوفانة
هذا مختار الأخفش وقال المبرد هُوَ مصدر كالرجحان ولا حاجة إلَى أن يطلب له واحد.
قوله: (أهلكوا بالريح) وهو الموافق لما في النظم الجليل وفيه نوع مخالفة لما ذكر
في سورة الفجر من قوله: فهلكوا بالصيحة.
قوله: (أهلكوا بالرجفة) أي الزلزلة وذكر في سورة الأعراف أنهم أتتهم صيحة من
السماء فتقطعت قلوبهم فهلكوا. وجه التوفيق هُوَ أنه لعل الصيحة من مبادئ الزلزلة.
قوله: (أهلك نمروذ) بالذال الْمُعْجَمَة كذا قيل وضابط بفتح النون وضمها.
قوله: (ببعوض وأهلك أصحابه) أي بسلب النعمة عنهم كما في التَّفْسير الكبير أو
بالبعوض أيضا، وإنَّمَا فصلهم عنه لأن هلاك نمروذ بالبعوض بغير المعتاد؛ إذ روي في
الْإخْبَار أنه سلط البعوضة عَلَى دماغ نمروذ كما روى الإمام بخلاف أصحابه، وَأَيْضًا أنه أصل
متنوع في الطغيان والفصل أحسن البيان.
قوله: (وأهل مدين وهم قوم شعب أهلكوا بالنَّار يوم الظلة) بأن سلط الله عليهم الحر
سبعة أيام حتى غلت أنهارهم فأظلتهم سحابة فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم نارًا فاحترقوا
وأنهم هكذا اقترحوا هذا قول ابْن عَبَّاسٍ وغيره واختاره الْمُصَنّف، وأما عَلَى قول قتادة فأهل
مدين أهلكوا بالصيحة من فوقهم، وأما الَّذينَ أهلكوا بالنَّار فأصحاب الأيكة من قوم شيث
عَلَيْهِ السَّلَامُ. والمؤتفكات عطف عَلَى أصحاب مدين، فالْمُرَاد بها قوم لوط سميت بها مَجَازًا
وإن كان الْمُرَاد بها قريات قوم لوط كما اختاره الواحدي، فالظَّاهر أنه عطف عَلَى مدين أي
أصحاب المؤتفكات وهذا هُوَ الظَّاهر الْمُتَبَادَر فحِينَئِذٍ لا يحتاج إلَى التوجيه في المؤتفكات
ولا في ضمير (أتتهم رسلهم) .
قوله: (قريات قوم لوط ائتفكت بهم أي انقلبت بهم فصار عاليها سافلها، وأمطروا حجارة
من سجيل، وقيل قريات المكذبين المتمردين وائتفاكهن انقلاب أحوالهن من الخير إلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ائتفكت بهم. أي انقلبت فصار عاليها سافلها فمعنى الانقلاب عَلَى هذا حَقيقَة في معناه
لأن الحال كانت كَذَلكَ في شأن قوم لوط، وأما إذا كان الْمُرَاد بالمؤتفكات قريات المكذبين
فالائتفاك مجاز بمعنى انقلاب الأحوال، ولذا قال وائتفاكهن انقلاب أحوالهن من الخير إلَى الشر.