كما أن الأول بناء عَلَى الْوُجُوه الثلاثة الأول فيكون (وأتوا البيوت) اسْتعَارَة تمثيلية عَلَى
الوجه الأخير هذا الأمر من قبيل التصريح بما علم ضمنًا والترامًا ؛ إذ من نفى البر عن
إتيان البيوت من ظهورها يفهم أن البر إتيانها من أبوابها، وكذا الخروج والظَّاهر أن جملة
وأتوا جملة تذييلية مقررة لمضمون ما قبلها كما بيناه، وجعله عطفًا عَلَى ليس البر إما
لأنه في تأويل ولا تأتوا البيوت من ظهورها، أو لكونه مقول الْقَوْل، وعطف الإنشاء عَلَى
الْإخْبَار جائز فيما له محل من الإعراب سيما بعد الْقَوْل تكلف مستغنى عنه بما ذكرنا
ثم الظَّاهر أن الأمر للوجوب .
قوله: (في تغيير أحكامه) كدخول البيوت من ظهورها والْقيَاس الشرعي الحاوي
لشروطه ليس من تغيير الأحكام بل من تقريرها .
قوله: (والاعتراض عَلَى أفعاله) بطَريق السؤال عن الحكم والمصالح المودعة فيها
الغير المتعلقة بعلم النبوة لما كان السؤال السابق عن الأهلة السؤال عَمَّا لا يعنيهم وكان
في صورة الاعتراض حيث قَالُوا في السؤال ما بال الهلال ولم يقولوا لم لم يكن
القمر كالشمس عبر عنه بالاعتراض، وإن لم يكن اعتراضًا في نفس الأمر فإنه كفر نعوذ
باللَّه. فأطلق عليه الاعتراض اسْتعَارَة زجرًا عن السؤال عَمَّا لا يعني، وَأَيْضًا مقتضى الأمر
بالتَّقْوَى التَّعْبير الْمَذْكُور .
قوله: (لكي تظفروا بالْهُدَى والبر) يعني أن لعل هنا بمعنى كي عَلَى طريق الاسْتعَارَة
كما مَرَّ بَيَانُهُ غير مرة قوله: (بالْهُدَى) مصدر متعد أي الهداية إلَى كل بغية
لا سيما بالهداية إلَى أن في كل أفعاله تَعَالَى حكمة بالغة، وإن لم نطلع عليها فلا تشتغلوا
بالسؤال عنها. والبر أي التوسع في الخير فيما تأتونه وتذرونه، وحمل الفلاح هنا عَلَى الهداية
والبر لاقتضائه المقام والفوز بالثواب في دار المآب لازم لذلك .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَقاتلُوا في سَبيل اللَّه الَّذينَ يُقاتلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لاَ يُحبُّ
الْمُعْتَدينَ (190)
قوله: (جاهدوا لإعلاء كلمته وإعزاز دينه) فسره به لأن المقاتلة وهي أن يقتل كل
صاحبه ليس مقدورًا للبشر، وإنما المقدور مباديها وهي الْمُرَاد هنا. وقيل فسره به لأن من لم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: في تغيير أحكامه ناظر إلَى أفعالهم في الإحرام عَلَى خلاف ما أمر الله به وحكم
المدلول عليها لقوله: (وَلَيْسَ الْبرُّ) الآية. وقوله والاعتراض عَلَى أفعاله ناظرًا إلَى
سؤالهم عن حال الأهلة المنصوص عليه بقوله (يَسْأَلُونَكَ عَن الْأَهلَّة) .