ولذا عبر بالْمَاضي. أخَّره لأن الحلف مع عمومه للسيئات غير ظَاهر وقدم الْقُرْآن لأنه
أشرف وقس عليه غيره.
قَوْلُه تَعَالَى: (فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ(3)
قوله: (الرق الجلد الذي يكتب فيه اسْتُعيرَ لما كتب فيه الْكتَاب) من الصحيفة بعلاقة أنها
محل للكتابة فالْمُرَاد الاسْتعَارَة المصطلحة لأنها أبلغ، وأما كون الْمُرَاد مَجَازًا مرسلًا فضعيف.
قوله: (وتنكيرهما للتعظيم والأشعار بأنهما ليسا من المُتَعَارَف فيما بين النَّاس)
وتنكيرهما أي تنكير كتاب ورق للتعظيم ولذا أقسم به والإشعار الخ. وجه الإشعار أن
التنكير يقتضي عدم التعيين وهو يقتضي بمعونة المقام أنه ليس مما يتعارفه النَّاس وإن لم
يكن كليًا والْقُرْآن لكونه حاويًا لأنواع البَلَاغَة بحَيْثُ يعجز عنه البشر لم يكن مما يتعارفه
النَّاس والبواقي ظاهرة.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ(4)
قوله: (يعني الكعبة) قدمها لأنها أنسب بما قبله من حيث إن النَّاس يعتنون بها.
قوله: (وعمارتها بالحجاج والمجاورين) أي بذكرهم وعبادتهم فيها قال تَعَالَى:"إن"
بيوتي في أرضي المساجد وإن زواري فيها عمارها"الحديث رواه المص في سورة التَّوْبَة."
ومن عمارتها تزيينها بالفرش والقناديل بل هذا أولى؛ إذ الأول مجاز مُتَعَارَف يقال مكان
معمور بمعنى مسكون تحل النَّاس في محل هُوَ فيه.
قوله: (أو الضراح وهو في السَّمَاء الرابع وعمرانه كثرة غاشيته من الْمَلَائكَة) الضراح
بالضاد الْمُعْجَمَة بعدها راء مهملة ثم ألف وحاء مهملة وهو البيت المعمور سمي به لأنه
ضرح أي رفع وأبعد والضرح هُوَ الإبعاد وهو في السَّمَاء الرابعة. قال الْمُصَنّف في سورة آل
عمران كان في مَوْضع الكعبة قبل آدم بيت يقال له الضراح تطوف به الْمَلَائكَة فلما أهبط
آدم عليه السلام أمر بأن يحجه ويطوف حوله ورفع في الطوفان إلَى السماء الرابعة. تطوف به
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وتنكيرهما للتعظيم. أي تنكير كتاب ورَقٍّ مع أن ما بعدهما وما قبلهما من الأشياء التي
أقسم بها معرفة بلام التعريف لتعظيم شأنهما. وفي الكَشَّاف: وقيل الْكتَاب المسطور والْقُرْآن ونكر
لأله كتاب مَخْصُوص من بين جنس الكتب كقوله: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا) يعني نكرة
وهو أعرف المعارف وأشهرها ليدل عَلَى اخْتصَاصه من جنس الكُتب بأمر يتميز به عن سائرها. قال
في تفسير قَوْلُه تَعَالَى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا) في تنكير نفس وجهان. أحدهما: أن يريد
نفسًا خاصة من بين النفوس وهي نفس آدم كأنه قال: وواحدة من النفوس، هذا وقريب منه ما سيجيء
بُعيد هذا (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ) أى في جنات مَخْصُوصة بهم خلقت لأجلهم خاصة.
قوله: أو الضراح. وهو بيت في السَّمَاء حيال الكعبة، ويروى الضريح وهو البيت المعمور من
المضارحة وهي المقابلة والمصارحة بالصاد المهملة مصحَّف، وفي الصحيحين في حديث الإسراء
أن البيت المعمور في السَّمَاء السابعة.