العذاب أي مع الإصابة وحلوله فإن الإيمان ينفع بعد معاينة العذاب وأماراته وقبل حلوله
مثل إيمان قوم يونس عَلَيْهِ السَّلَامُ .
قَوْلُه تَعَالَى: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(41)
قوله:(صيحة جبْريل صاح عليهم صيحة هائلة تصدعت منها قلوبهم فماتوا، واستدل
به على أن القرن قوم صالح)واستدل به لكنه لم يلتفت إليه المص حَيْثُ قال هناك هم عاد
وثمود إما لأنه من باب الاكتفاء بعقوبة قوم صالح أو صاح جبْريل عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى قوم
هود مع الريح كما ورد في بعض الأحاديث، أو الْمُرَاد بالصيحة العقوبة الهائلة مَجَازًا بطَريق
ذكر الخاص وإرادة العام. والأحسن الْقَوْل بالاكتفاء لأن عقوبة قوم هود [مذكورة] في مواضع
أخر كعقوبة قوم صالح .
قوله: (بالوجه الثابت الذي لا دافع له) أي الحق بمعنى الثابت من حق إذا ثبت. قوله
لا دافع له بيان فَائدَة هذا القيد. والْمَعْنَى أنه لا دافع له كما لا رافع له .
قوله: (أو بالعدل من الله كقولك: فلان يقضي بالحق. أو بالوعد الصدق) فالحق
بمعنى ضد الباطل والجور قدم الأول لأنه يفيد أنه لا دافع ولا رافع له بخلاف الثاني وإن
فهم التزامًا. قوله أو بالوعد الصدق فتكون الباء سببية ؛ إذ الخلف محال فيفيد أنه لا دافع لأنه
كالواجب بمقتضى الوعد .
قوله: (شبههم في دمارهم بغثاء السيل) أي الْكَلَام من قبيل التَّشبيه البليغ، وأما الاسْتعَارَة
فلا لذكر الطرفين، وقد جوز الاسْتعَارَة في مثله وتمام التَّفْصيل في قَوْله تَعَالَى:(صم بكم
عمي فهم لا يرجعون)قوله: في دمارهم أي في تدميرهم وإهلاكهم .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: واستدل به عَلَى أن القرن قوم صالح. أي واستدل بقوله تَعَالَى: (فأخذتهم الصيحة)
عَلَى أن القرن الْمَذْكُور فيما قبل في قَوْله تَعَالَى:(ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا
آخَرِينَ)قوم صالح لأنهم هم المهلكون بصيحة جبْريل عَلَيْهِ السَّلَامُ .
قوله: بالوجه الثابت الذي لا دافع له. فسر - رحمه الله - الحق بما هُوَ أصل معناه لغة وهو معنى
الثبوت أي بالوجه الثابت في علمه تَعَالَى، وما هُوَ الثابت في علمه تَعَالَى لا يمكن أن ينقلب ويتغير
أو يدفع بدفع دافع، ولذا وصف الثابت بالذي لا دافع له. قال صاحب الكَشَّاف في تفسير بالحق
بالوجوب وهذا بناء عَلَى مذهبه فإن عقاب العاصي واجب عند أهل الاعتزال كما أن إثابة المطيع
واجبة عندهم، فلذا أعرض رحمه الله عن تفسير صاحب الكَشَّاف وفسر الحق بما عليه أهل السنة
والجماعة فسر رحمه الله الحق بثلاثة أوجه. الوجه الأول: بيان له بحسب معناه الحقيقي، والوجهان
الآخران بيان بحسب معناه المجازي، فإن الحق لازم العدل وملزوم الصدق لأن الصدق مطابقة
الحكم للواقع، والحق مطابقة الواقع للحكم فهما متلازمان وأراد بالوعد قَوْلُه تَعَالَى:(قال عَمَّا
قليل ليصبحن نادمين).