معنى الهلاك بل الْمُرَاد به وادٍ في جهنم، وأما في الأول فالْمُرَاد به الهلاك .
قَوْلُه تَعَالَى: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ
كَالْفُجَّارِ (28)
قوله:( [أَمْ] منقطعة والاستفهام فيها لإِنكار التسوية بين الحزبين التي هي من لوازم
خلقها باطلًا ليدل على نفيه وكذا التي في قوله: أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ)
أم منقطعة مقدرة بـ بل والهمزة وبل للإضراب. والْمَعْنَى بل أنجعل والاسْتفْهَام فيها
للإنكار الوقوعي أي لم يقع التسوية بَيْنَهُمَا بعدم العقاب للمفسدين كالمصلحين وذلك
بأن لا يكون الحشر فـ [حِينَئِذٍ] يكون خلقها بإطلًا فلما أنكر التسوية دل عَلَى أن الخلق
الْمَذْكُور ليس بباطل أي خال عن الْحكْمَة بل هُوَ مشتمل عَلَى الحكم البديعية كما مَرَّ
بيانها. فهذا في الْمَعْنَى استدلال بانتفاء اللازم وهو التسوية بين الفريقين عَلَى انتفاء
الملزوم وهو خلقها باطلًا فالإضراب من المدعي إلَى الدليل عَلَى أن كلاهما مقصودان
ففي المآل هي للترقي، وإنما قال لإنكار التسوية أي التشابه لأن المقصود من الْكَلَام في
مثل هذا التشابه لا التشبيه، وإلا لكان حق الْكَلَام أم نجعل المفسدين كالْمُؤْمنينَ
الصَّالحينَ وإنكار مشابهة الْكَافرينَ بالْمُؤْمنينَ ؛ إذ لا وجه لعكسه فالْمُرَاد نفس التشابه ولذا
قال نفي التسوية، ووجه العدول من حق الْكَلَام أن الْكُفَّار لما ظنوا أن خلقها باطل
جعلوا الْمُؤْمنينَ كالمفسدين في عدم المؤاخذة، وقد مَرَّ مثله من المص في قَوْله تَعَالَى:
(أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ) الآية. وكذا الْكَلَام في قوله:(أم نجعل
المتقين كالفجار).
قوله:(كأنه أنكر التسوية أولًا بين المؤمنين والكافرين ثم بين المتقين من المؤمنين
والمجرمين منهم)وإنما قال كأنه لما سيجيء من الاحتمال الآخر. قوله بين الْمُؤْمنينَ لم يقيد
بالعاملين إما للإشارة إلَى أن الْمُرَاد إنكار التسوية بين مطلق الْمُؤْمنينَ وذكر وَعَملُوا
الصالحات في النظم الكريم للترتيب عَلَى تَحْصيل الْكَمَال أو اللام للعهد والْكَافرينَ معنى
المفسدين. ووجه التَّعْبير له للتنبيه عَلَى أن كفرهم يؤدي إلَى إفساد الْأَرْض وفسادها كما قال
تَعَالَى: (ألا إنهم هم المفسدون) وقد فصله المص هناك. قوله والمجرمين
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ليدل عَلَى نفيه. أي ليدل إنكار التسوية ونفيها عَلَى نفي خلقها باطلًا استدلالًا بنفي
اللازم عَلَى الملزوم .
قوله: وهذا التي. أي وكذا إنكار التسوية التي في قوله: (أم نجعل المتقين كالفجار)
ونفيها يدل عَلَى نفي خلقها باطلًا. قوله كأنه أنكر التسوية بين الْمُؤْمنينَ والْكَافرينَ ثم بين
المتقين من الْمُؤْمنينَ والمجرمين. أي أنكر التسوية أولًا بين فريقي العام الذي هُوَ مطلق المكلفين ثم
بين فريقي الخاص الذي هُوَ الْمُؤْمنُونَ منهم، فعلى هذا يكون تكرير الإنكار راجعًا إلَى تغاير الذوات
المتصفة بما يمنع التسوية .