للإضراب والانتقال من الشنيع إلَى الأشنع توبيخًا لأهل النَّار بحكاية شناعتهم في الدُّنْيَا
بأنهم أبرموا أي فعلوا من الكيد كذا قيل. فيكون من الإبرام بمعنى الكيد والحيل لكن مع
ملاحظة الإلحاح.
قوله: (أمرًا في مجازاتهم) فيه تنبيه عَلَى أن إبرامهم في تَكْذيب الحق وإلحاحهم
لا يفيد شَيْئًا سوى مجازاتهم عليه.
قوله: (والعدول عن الخطاب للإشعار بأن ذلك أسوأ من كراهتهم) أي خطاب الْكُفَّار
إلى الغائب للإشعار الخ. أي لإسقاطهم عن الخطاب للإشعار بأن ذلك أسوأ من كراهتهم
فاخْتيرَ في (ولكن أكثركم) الخطاب توبيخا لهم بالْمُوَاجَهَة.
قوله: ( [أو أم أحكم] المشركون أمرًا من كيدهم بالرَّسُول فَإِنَّا مُبْرِمُونَ كيدنا بهم)
حمل الإبرام عَلَى الكيد بعد الحمل عَلَى الإلحاح فالهمزة المُسْتَفَادة من بل للإنكار الواقع
وأما في الأول فكَذَلكَ إن أريد الإبرام الصوري وإلا فالإنكار الوقوعي، وهذا الاحتمال جار
في الإبرام بمعنى الكيد بتعميمه إلَى الصوري والحقيقي وكيدهم بالرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ
مشاورتهم في دار الندوة بالقتل أو الإخراج من مكة كما بين في قَوْله تَعَالَى:(وَإِذْ يَمْكُرُ
بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ)الآية. قوله كيدنا بهم
إطلاق الكيد للمشاكلة أو سمي جزاء الكيد كيدًا قد مرَّ توضيحه في أوائل سورة البقرة.
قَوْلُه تَعَالَى: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ(80)
قوله: (ويؤيده قَوْلُه تَعَالَى:(أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ)
حديث نفسهم بذلك. [وَنَجْواهُمْ] . وتناجيهم) ويؤيده لأنه يدل عَلَى أن ما أبرموه أمر أخفوه ولم يظهروه
فيناسب الكيد دون التَّكْذيب فإنهم مجاهرون به فالْمُنَاسب تقديم هذا الوجه إلا أنه أخَّره
لذكر دليله عقيبه وارتباط قوله (أم يحسبون) بالْمَعْنَى الأول إما لأن الْمُرَاد به غير إبرامهم من
أسرارهم ونجواهم مثل كيدهم الْمَذْكُور ولا يجب أن يكون الْمُرَاد الإبرام الْمَذْكُور بل
العطف بـ أم ظَاهر في أنه غير الإبرام ولذا قال ويؤيده قوله ولم يقل ويدل بل في التأبيد نظر
لما ذكر من أن العطف بـ أم يدل عَلَى الانتقال منه إلَى ما بعده أو باعْتبَار أنهم يَعْلَمُونَ حقيته
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أو أم أحكم المشركون. قال الرَّاغب: الإبرام إحكاما لأمر وإتقانه وأصله من أبرم الحبل
وهو ترديد فتله والبريم المبرم أي المفتول فتلًا محكما والمبرم الملح تشبيهًا له بمبرم الحبل ومن
هذا قيل للبخيل الذي لا يدخل في الميسر برم كما يقال للبخيل مغلول اليد.
قوله: (ويؤيده قوله:(أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ) وجه
تأييده له أن إخفاء الأعداء كلامهم وتناجيهم عند من يعادونه أو عند أحبائه وأتباعه حذرًا من
اطلاعهم عليه يكون غالبًا للمكر.