البقرة: واعلم أن صحة الحشر مبنية عَلَى ثلاث مقدمات. العلم والقدرة وقبول الأجزاء الجمع
كما بيناه. وهنا اكتفى ببيان العلم بها لأنه الأصل كما قال: إزاحة لما هُوَ الأصل فيه.
قوله: (وقيل إنه جواب القسم) القسم في قَوْله تَعَالَى: (ق والْقُرْآن المجيد)
ولم يذكر اللام في الْجَوَاب لطول الْكَلَام، واختلف المعربون في جوابه [فقيل] :
إنه مَحْذُوف كما ذكرناه سابقًا، وهو الْمُخْتَار كما نبه عليه في سورة (ص) . وقيل قوله:(ما
يلفظ من قول)الخ. وقيل: (بل عجبوا) وقيل:(إن في ذلك
لذكرى)الآية. والكل بعيد، وعن هذا مرضه مع قربه في الْجُمْلَة.
قوله: (واللام مَحْذُوف لطول الْكَلَام) يعني به أن طوله عوض عن اللام، ولا يخفى
وهنه عَلَى أولي الأحلام.
قوله: (حافظ لتفاصيل الأشياء كلها) أي فعيل بمعنى فاعل أي حافظ لتفاصيل
الأشياء من جملتها الأجزاء المتفرقة.
قوله: (أو محفوظ عن التغيير) أي فعيل بمعنى الْمَفْعُول أي محفوظ عن التغيير وما
ثبت من تفاصيل الأشياء التي من جملتها أحوال الموتى، وبهذا البيان يظهر مناسبته لما قبله
لكن الْمَعْنَى الأول أظهر ارتباطًا لما قبله وعن هذا قدمه ورجحه.
قوله:(والْمُرَاد إما تمثيل علمه تَعَالَى بتفاصيل الأشياء بعلم من عنده كتاب
محفوظ يطالعه)أي وعندنا كتاب حفيظ اسْتعَارَة تمثيلية فتوجه عَلَى بصيرة. والظَّاهر أن
هذا ناظر إلَى الثاني.
قوله: (أو تأكيد لعلمه بها لثبوتها في اللوح المحفوظ عنده) ناظر إلَى كون الحفيط
بمعنى حافظ ولا اسْتعَارَة فيه حِينَئِذٍ. وهذا الْمَعْنَى هُوَ الشائع في الألسنة ويدل عليه الأدلة.
قَوْلُه تَعَالَى: (بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ(5)
(بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ) يعني النبوة الثابتة بالمعجزات) ذهب الأكثرون إلَى أنه
إضراب عن مَحْذُوف. أي ما نظروا حق النظر بل كذبوا بالحق ولما يحيطوا بعلمه. وفي
الكَشَّاف: (بل كذبوا) إضراب أتبع الإضراب الأوّل، للدلالة على أنهم جاءوا بما
هو أفظع من تعجبهم، وهو التكذيب بالحق الذي هو النبوّة الثابتة بالمعجزات في أوّل وهلة
من غير تفكر [ولا تدبر] انتهى. والتعجب الْمَذْكُور التعجب عَلَى سبيل الإنكار لا عَلَى طريق
الاستحسان والإقرار فيكون تكرارًا للتأكيد وتمهيدًا لبيان اضطرابهم، وعن هذا قال:(فهم
في أمر مريج)بالفاء وما جنح إليه الأكثرون فتأسيس بحت لما جاءهم حَقيقَة عَلَى
إرادة النَّبيّ ومجاز فيما عداه.
قوله: (أو النبي - صلى الله عليه وسلم - أو الْقُرْآن) أو النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أي تَكْذيبه في كل ما أخبر به من
أمور الدين فهو أعم من النبوة فلا إشكال بأنه لا فرق بينه وبين ما قبله؛ إذ ليس الْمُرَاد إنكار
ذاته بل إنكار نبوته وهذا وهْم.