قَوْلُه تَعَالَى: (وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(47)
قوله: (يحتمل العموم والخصوص) يحتمل العموم بجعل تعريف الموصول للجنس
وهو الْمُخْتَار أو الخصوص بجعل الموصول للعهد وهم كفار قريش ولتقدم ذكرهم كانوا
معهودين، والْمُرَاد بالظلم الشرك والكفر وللتفنن عبر به تقديم الخبر في مثله للحصر وإذا
أريد العموم يكون عامًا خص به البعض وهم من آمن منهم.
قوله: (أي دون عذاب الْآخرَة) أي ذلك إشَارَة إلَى عذاب الْآخرَة وصيغة البعد
للتحقير ودون هنا بمعنى غير وتنكير عذابًا للتفخيم.
قوله: (وهو عذاب القبر أو المؤاخذة في الدُّنْيَا [كقتلهم ببدر] والقحط سبع سنين) وهو
عذاب القبر لأن الْمُرَاد عذاب مقدم عَلَى عذاب الْآخرَة بالضرورة وإن لم يذكر القبلية هنا
فهو إما في القبر والبرزخ وهو الراجح لدوامه إلَى يوم البعث ولشدته أو في الدُّنْيَا بالقتل
والأسر وهذا ناظر إلَى الخصوص فإن كفار قريش قتلوا يوم بدر ولم ينقل أن جميع الْكُفَّار
قتلوا في الدُّنْيَا والأول ناظر إلَى العموم. وقيل وهذا جارٍ عَلَى وجهي العموم والخصوص
ولا وجه لكونه لفًا وثرًا مرتبًا لهما فإنه لا مخصص له، وقد عرفت المخصص، وأَيْضًا قوله
والقحط سبع سنين نص في ذلك ولو قيل عذاب القبر جارٍ عَلَى الوَجْهَيْن وعذاب الدُّنْيَا
ناظر إلَى الخصوص لأن ما ذكره من عذاب الدُّنْيَا مَخْصُوص بقريش، إلا أن يقال إن ما ذكره
محمول عَلَى التمثيل.
قوله: (ذلك) أي إن لهم عذابا دون عذاب الْآخرَة وأقلهم وإن علموا لكنهم لا
يَعْمَلُونَ بمقتضاه، أو الأكثر بمعنى الكل والاستدراك من مفهوم الْكَلَام. أي وهذا أمر محقق
ولكن أكثرهم لا يَعْلَمُونَ.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ(48)
قوله: (وَاصْبِرْ) أي دم عَلَى الصبر (لِحُكْمِ رَبِّكَ) اللام للتعليل أي واصبر عَلَى إيذائهم
لأجل حكم ربك وقضائه بإمهالهم أو اللام بمعنى عَلَى أي واصبر عَلَى حكم ربك.
قوله: (لإمهالهم وإبقائك في عنائهم) أي في تعب ومشقة.
قوله: (في حفظنا) بيان الْمَعْنَى الْمُرَاد لأن العين مُسْتَعَار للحفظ.
قوله: (بحَيْثُ نراك) إشَارَة إلَى وجه التَّعْبير بالعين.
قوله: (ونكلؤك) أي نحفظك من شرورهم وهذا هُوَ الْمُرَاد من نراك وإلا فهو تَعَالَى
يرى كل شيء دائمًا فلا فَائدَة في الْإخْبَار به.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: في حفظنا بحَيْثُ نراك [ونكلؤك] . يعني أن قَوْلُه تَعَالَى: (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا)
اسْتعَارَة تمثيلية شبهت حالة حفظه رسول الله صلى الله تَعَالَى عليه وسلم بحالة من يراقب الشيء
بعينه ويحفظه.