الثالثة. قال الْمُصَنّف في أوائل سورة البقرة واعلم أن صحة الحشر مبنية عَلَى ثلاث مقدمات
الأولى هي أن موادًا لا بد أن قابلة للجمع والحياة، وأما الثانية والثالثة فإنه تَعَالَى عالم بها
وبمواقعها قادر عَلَى جمعها وإحياتها انتهى ملخصًا. ولما كانت المقدمة الثانية والثالثة
متقاربتين لكونهما متعلقتين بصفاته تَعَالَى عدهما واحدة وسمى المقدمة الثالثة مقدمة ثانية
تسامحًا واعتمادًا عَلَى ما فصل في سورة البقرة، والْمُرَاد بالمقدمة هنا ما يتوقف عليها إمكان
الحشر كما أشار إليه بقوله التي يتوقف الخ. لا ما جعلت جزء قياس. نعم إذا ركب الدليل
الأصولي الْمُرَاد هنا عَلَى قانون المنطقيين تكون تلك المقدمات جزء قياس. والفاضل
المحشي لحمل كلامه عَلَى ذلك قال بأنه كلما كان جمع الأجزاء وتأليفها عَلَى ما كانت
عليه وإعادة الحياة فيها ممكنًا وثبت أن الله تَعَالَى عالم بتلك الأجزاء وقادر عَلَى جمعها
وتأليفها وإحيائها ثبت إمكان الحشر لكن المقدم حق فالتالي مثله انتهى. فحِينَئِذٍ تكون الأمور
الثلاثة أي قابلية الأجزاء للجمع والإحياء وكمال القدرة والعلم التام مقدمة واحدة مشتملة
على أمور ثلاثة، فالأولى ما ذكرناه لمناسبة الفن وكلام الْمُصَنّف موافق لما ذكرنا أَيْضًا.
قوله: (وهو) أي المقدمة وتذكير الضَّمير لعدم تمحض تائه في التأنيث لأنه تاء نقلية
أو للتأويل بالموقوف عليه أو بالْمَذْكُور ونحوه.
قوله: (قبول المواد للجمع والإحياء) فإن تعاقب الافتراق والاجتماع والموت والحياة
عليها يدل عَلَى أنها قابلة لها بالذات وما بالذات يأبى أن يزول ويتغير فكما تقبل في الابتداء
تقبل أَيْضًا في الإعادة فهذه المقدمات تدل عَلَى إمكان الحشر لا وقوعه ووقوعه معلوم من
الشرع كما بيناه في قوله آنفًا يدل عَلَى صحة الحكم، فعلم من هذا البيان أن مراد الْمُصَنّف
بقوله سابقًا يدل الدلالة في الْجُمْلَة وقد نبهنا عليه هناك.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ(28)
قوله: (واذكر وقت قوله: لِلْمَلائِكَةِ(إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا) التَّأْكيد بأن
للمُبَالَغَة في تحقق وقوعه. وخالق من قبيل التَّعْبير عن المستقبل بلفظ الحال بشرًا التَّنْوين
للتفخيم وفيه تأكيد لكونه الْمُرَاد بالْإنْسَان آدم عَلَيْهِ السَّلَامُ.
قوله: (فإذا سويته) الفاء للسببية وفيه إيجاز الحذف بأكثر من جملة. والْمَعْنَى فإذا
خلقنا بشرًا منْ صَلْصَالٍ من حمإ مسنون وغيرناه طورًا بعد طور حتى سويته الخ.
قَوْلُه تَعَالَى: (فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ(29)
قوله: (عدلت خلقته وهيأته لنفخ الروح فيه) بأن جعلت له ما به يتأتى كماله ويتم
معاشه قال في سورة الانفطار التسوية جعل الأعضاء سليمة مسواة معدة لمنافعها والتعديل
جعل البنية معتدلة مناسبة الأعضاء أو معدلة بما يستعدها من القوى انتهى. وهنا لم يذكر بل
التعدبل فسر التسوية بالتعديل.
قوله: (حتى جرى آثاره في تجاويف أعضائه فحيى) فلا نفخ للروح حَقيقَة بل هو