قوله: (يتجاوران) منفهم مما بعده، وَأَيْضًا هذا مقتضى إرسالهما.
قوله: (ويتماس سطوحهما) معنى يتجاوران لأن التجاور قد يكون بدون ذلك
التماس ولو اكتفى بقوله ويتماس سطوحهما لكان أولى.
قوله: (أو بحري فارس والروم يلتقيان في المحيط) ولا يقال فيه يتجاوران ويتماس
سطوحهما؛ إذ بَيْنَهُمَا حاجز من الْأَرْض فحِينَئِذٍ قَوْلُه تَعَالَى: (يلتقيان) إما
حال مقدرة إن كان الْمُرَاد إرسالهما إلَى المحيط، أو اتحاد أصلهما إن كان الْمُرَاد إرسالهما
منه وَلكُلٍّ وجْهَةٌ. لكن الأوفق بقوله: (يلتقيان) بعد قوله:(مرج
البحرين)الْمَعْنَى الأول وكلام المص يميل إلَى الثاني حيث قال لأنهما
خليجان أي شعبتان.
قوله: (لأنهما خليجان [يتشعبان] منه) تفسير له؛ لأنه حِينَئِذٍ يكون الإرسال منه لا إليه
فالوجه الأول لا يلائم كلام الْمُصَنّف، وكون البحر المحيط أصلًا لهما إذا كان المراد بحر
فارس والروم دون الأول فإن البحر العذب لا [يتشعب] من المحيط. قال الْمُصَنّف في سورة
الفرقان: كدجلة تدخل البحر فتشقه فتجري في خلاله فراسخ لا يتغير طعمها في حل الْمَعْنَى
الأول، ولا ريب أن إرسال [دجلة] ونحوها إلَى المحيط لا منه، اللهم إلا إذا أريد التغليب
فالْكَلَام منتظم إليه أَيْضًا، وينكشف منه أن الْمُرَاد بالبحرين أحدهما النهر الكبير لأن مائه
عذب ففيه تَغْليب عَلَى الوجه الأول.
قَوْلُه تَعَالَى: (بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ(20)
قوله: (حاجز من قدرة اللَّه تَعَالَى أو من الْأَرْض) هذا عَلَى الوجه الأول فالبرزخ
معنوي [حِينَئِذٍ] . قوله أو من الْأَرْض عَلَى الْمَعْنَى الأخير ففيه لف ونشر مرتب.
قوله: (لا يبغي أحدهما عَلَى الأخر بالممازجة وإبطال الخاصية) لا يبغي أحدهما
وهو البحر الملح فالْإضَافَة للعهد؛ إذ لا مجال لبغي النهر الكبير عَلَى البحر، هذا بيان حالهما
قبل تغير طعم الماء العذب وبعد تغيره وتغير لونه لبغى البحر عَلَى النهر بالممازجة كما هُوَ
مشاهد بالحس.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: حاجز من قدرة الله تَعَالَى. قَالَ الرَّاغب الرزخ الحاجز والحد بين الشيئين والبررخ
أيضًا الحائل بين الْإنْسَان وبين بلوغ الممازل في الْآخرَة وذلك إشَارَة إلَى العقبة الْمَذْكُورة في
قَوْلُه تَعَالَى: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) وقال تَعَالَى:(وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ
يُبْعَثُونَ)وتلك العقبة موانع من أهوال لا يصل إليها إلا الصالحون.
قوله: لا يبغي أحدهما عَلَى الآخر بالممازجة وإبطال الخاصية. هذا ناظر إلَى أن يراد
بالبرزخ الحاجز من قدرة اللَّه. وقوله ولا يتجاوزان [حديهما] بإغراق ما بَيْنَهُمَا. ناظر إلَى أن يراد به
الحاجر من الْأَرْض.