إلى النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قطعت أمه بجادًا لها كساء نصفين فاتزر بنصفه وارتدى بالآخر ومات في عصر
النبي - صلى الله عليه وسلم - ودفنه عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بنفسه وقال:"اللهم إني أمسيت راضيًا عنه فارض عنه"
فقال عبد الله بن مسعود - رضي الله تَعَالَى عنه - ليتني كنت صاحب الحفيرة. مرض الْمُصَنّف هذا
الْقَوْل لأنه تَخْصيص بلا داع والعموم هُوَ الظَّاهر الأولي وهم داخلون بالطريق الأولى .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ
الْعَظِيمُ (100)
قوله: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ) مبتدأ خبره (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) وهذا أحسن الْوُجُوه التي
ذكرت في إعرابه وتوصيفه بـ (الأولون) للاحتراز عن السابقين اللاحقين بهم فإنهم السابقون
بالنسبة إلَى من بعدهم .
قوله: (هم الَّذينَ صلوا إلَى القبلتين) إحداهما البيت الحرام والأخرى البيت المقدس
وأنت خبير بأن من صلى إلَى القبلتين بعض المهاجرين فاختار كون (مِنْ) تبعيضية لكن
اختلف في ذلك البعض كما قرره الْمُصَنّف وقدم الأول لأنهم كثيرون والملائم للجمع
المحلى باللام من دخلت عليه من التبعيضية مع أن صلاتهم إلَى القبلتين منقبة عظيمة لهم .
قوله: (أو الَّذينَ شهدوا بدرًا) وما خطر بالبال أن أهل بدر كلهم ممن صلوا إلَى
القبلتين وإن منع كون كلهم كَذَلكَ فلا كلام في كون أكثرهم كَذَلكَ فإنه عَلَيْهِ السَّلَامُ صلى
إلى بيت المقدس بعد الهجرة ستة عشر شهرًا، وقد كان بمكة صلى إلَى الكعبة وقصة بدر
بعد الهجرة بسنة فيلزم ما ذكرنا، ومن هذا ينكشف وجه آخر لتقديم الوجه الأول .
قوله:(الَّذينَ شهدوا بدرًا ومعلوم أن أهل بدر ليس كلهم من المهاجرين بل بعضهم
من الأنصار).
قوله: (أو الَّذينَ أسلموا قبل الهجرة) أخَّره ؛ إذ التَّعْبير بالمهاجر يلائم كون ما سبقوا به
بعد الهجرة والْإسْلَام قبلها والصلاة إلَى مكة وإن كانت قبل الهجرة لكن الصلاة إلَى القدس
بعدها ومجموع الوصفين تحقق حين كونهم مهاجرين، والإمام رَجَّحَ هذا الوجه وأوضحه بما
لا مزيد عليه لكن نظر الْمُصَنّف أدق وأحق .
قوله: (أو أهل بيعة العقبة الأولى وكانوا سبعة) والظَّاهر أن سبق الأنصار عَلَى من
عداهم بالصلاة إلَى القبلتين وشهود بدر لكن لم يتعرض له لظهوره من بيان المهاجرين
وصلاة الأنصار إلَى القبلتين بالصلاة أولًا إلَى القدس وثانيًا إلَى الكعبة والمهاجرين إلَى
الكعبة أولًا وإلى القدس في حق بعض أو مُطْلَقًا في شأن آخرين .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أهل بيعة [العقبة] وهي بيعة الرضوان وكانت بيعة الرضوان في الحديبية سميت بيعة
الرضوان لقَوْله تَعَالَى في حقهم: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) .