قوله: (والآية تدل عَلَى جواز السهو عَلَى الْأَنْبيَاء وتطرق الوسوسة إليهم) بيان واه
جدًا لأنه قد عرفت أن السهو في أمر الدين غير جائز وإلا لارتفع الأمان وكذا الوسوسة إلَى
رسولنا عَلَيْهِ السَّلَامُ غير واقع كما عرفت من حديث مسلم، والواجب صون الْكتَاب عن مثل
هذا الوهم العجاب الذي توحش منه أولو الألباب .
قَوْلُه تَعَالَى: (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ
وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (53)
قوله:(علة لتمكين الشيطان منه، وذلك يدل على أن الملقى أمر ظاهر عرفه المحق
والمبطل)علة لتمكين الخ. إشَارَة إلَى أنه متعلق بـ ألقى الشَّيْطَان، والضَّمير في منه للإلقاء. وقيل
إشَارَة إلَى أن قوله ليجعل متعلق بفعل مَحْذُوف وهو مكن مدلول عليه بقوله:(ألقى
الشَّيْطَان)قوله وذلك يدل الخ. فتفسير (ألقى الشَّيْطَان) بما
يوجب اشتغاله بالدُّنْيَا لازم لأنه مما عرفه المحق والمبطل .
قوله: (شك ونفاق [وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ] الْمُشْركينَ) شك ونفاق تَخْصيصه بالذكر لأنه يناسب قَوْلُه تَعَالَى:
(في قُلُوبهمْ مرض) الآية. فـ [حِينَئِذٍ] يكون الْمُرَاد بالقاسية قلوبهم الْمُشْركينَ. أي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وذلك يدل عَلَى أن الملقى أمر ظَاهر غرفة المحق والمبطل. يعني قوله عز من قائل:
(لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً) يدل عَلَى أن الملقى أمر ظَاهر مسموع سمعه المحق
والمبطل فإن الفتنة التي هي بمعنى الامتحان والابتلاء لا يكون إلا بعد ظهور الأمر المفتتن به
للمفتون الممتحن عنه وكونه معلومًا له، والْمُرَاد بالمبطل من ذكر بعده وهم الذين في قُلُوبهمْ مرض
(والقاسية قلوبهم) وبالمحق من ذكر في قوله(وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ
مِنْ رَبِّكَ)لهذه الآية لدلالته عَلَى أن ما يلقيه الشَّيْطَان أمر ظَاهر تؤيد ما قيل من أن
الْمُرَاد بالتمني القراءة وبما يلقى الشَّيْطَان به ما يتكلم به في أثناء قراءة النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - الْقُرْآن أو ما سبق
إليه لسانه سهوا من حديث الغرانيق، وأما إذا أريد بالتمني تمني القلب وهو أمر خفي أشكل ربط
(ليجعل) بما قبله وتعليله به، ولذا اختار صاحب الكَشَّاف ذلك الوجه الأول قال الطيبي رحمه الله:
التمني جاء عَلَى وَجْهَيْن أحدهما: تمني القلب. قال أبو مسلم التمني التقدير وتمنى تفعل من منيت
ومنى الله لك قدَّر لك. وثانيهما: القراءة قال الله تَعَالَى (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ)
لأن الأمي لا يعلم الْقُرْآن من المصحف، وإنَّمَا يعلمه قراءة قَالَ حسان:
تَمَنَّى كِتَابَ اللهِ أَوَّلَ ليلهِ ... وآخِرَهُ لاقَى حِمامَ المقادِرِ
وهذا أَيْضًا فيه معنى التقدير فإن التالي مقدر للحرف بذكرها شَيْئًا فشَيْئًا وإذا قلنا إن التمني بمعنى
القراءة فمعنى الآية إذا قرأ قرآنًا يجوز أن يسهو الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - فيه ويشتبه علي القاريَ دون ما رووه وهذا
هو الظَّاهر لقوله: (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) وإذا قلنا إنه
بمعنى تمني القلب فالْمُرَاد إذا أراد فعلًا تقربًا إلَى الله تَعَالَى (ألقى الشَّيْطَان) في فكره
ما يخالفه فرجع إلَى الله تَعَالَى فيرجع اللَّه تَعَالَى ذلك الغلط وتلك الوسوسة عن القلب قال الله تَعَالَى:
(إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) وقال الله
تَعَالَى: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) .