قَوْلُه تَعَالَى: (فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ
مُسْلِمُونَ (14)
قوله: (فإن لم يستجيبوا لكم بإتيان ما دعوتم إليه) الفاء للسببية ؛ إذ ظهور عدم
الاستجابة وتحققه مسبب عن الأمر بإتيان ما هُوَ مثله ومعقب له، وصيغة الشك بناء عَلَى
حسب ظنهم فإن العجز قبل التدبر في بلاغته لم يكن محققًا عندهم. وعبر عن الْفعْل
بالاستجابة ؛ إذ الظَّاهر فإن لم تفعلوا كما في سورة البقرة إيماء إلَى أنه عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى
كمال أمنٍ من أمره كان أمره لهم بالإتيان بمثله دعاء لهم إلَى أمر يريد وقوعه، وللمُبَالَغَة في
ذلك اخْتيرَ الاستجابة عَلَى الإجابة لأنها أخص من الإجابة فإن معناها إعطاء الْجَوَاب إما
بتَحْصيل المطلوب أو بدونه، وأما الاستجابة فمختصة بتَحْصيل المطلوب. وإلى هذا التَّفْصيل
أشار المص بقوله بإتيان ما دعوتم إليه حيث لم يقل بإتيان ما أمرتم به .
قوله: (وجمع الضَّمير) أي الخطاب في لكم فالظَّاهر الإفراد .
قوله: (إما لتعظيم الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ) إن جعل الخطاب خطابًا له عَلَيْهِ السَّلَامُ
وحده كقَوْله تَعَالَى: (فنادته الْمَلَائكَة وهو قائم) الآية. والتَّعْبير عن
الواحد بلفظ الجمع غير مختص بلفظ المتكلم كما ادعاه العلامة التفتازاني في شرح
التلخيص وقد رده وأوضحه بعض المحشيين .
قوله:(أو لأن المؤمنين كانوا أيضًا يتحدونهم، وكان أمر الرسول صلّى الله عليه وسلّم متناولًا لهم من
حيث إنه يجب أتباعه عليهم في كل أمر إلا ما خصه الدليل)فعلى هذا الجمع عَلَى ظاهره
لكنه خلاف الظَّاهر ؛ إذ المخاطب هُوَ الرَّسُول عليه السلام في (قل فأتوا) فكذا
هنا عَلَى ما هو الظَّاهر، فلذا قدم الأول فإنه هُوَ المعول. قوله كانوا يتحدونهم أي نيابة عنه
عَلَيْهِ السَّلَامُ وكان أمر الرَّسُول إضافة الأمر إلَى الْمَفْعُول أي وكان أمر الله تَعَالَى الرَّسُول
عَلَيْهِ السَّلَامُ متناولًا للْمُؤْمنينَ لأنه عَلَيْهِ السَّلَامُ إمام أمته فخطابه كخطابهم. قيل وفي هذه
المسألة اخْتلَاف عند الشَّافعيَّة، كَمَا صَرَّحَ به في جمع الجوامع لكن الأصح عندهم أن الأمر
بشيء لا يتناول أمته. والمص رحمه الله تَعَالَى ذهب هنا إلَى الْقَوْل المرجوح عندهم ومحل
الخلاف ما لم يكن المأمور به يقتضي المشاركة كالقتال انتهى. قال مَوْلَانَا سعدي: اختلف في
تناول خطاب النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لأمته فقال الشَّافعيّ لا وقال الْحَنَفيَّة والحنابلة [نعم إلا] ما دل
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وجمع الضَّمير الخ. يعني كان مقتضى الظَّاهر أن يقال: فإن لم يستجيبوا لك فاعلم
ليوافق قوله: (قل) لكن جيء بالجمع في مقام التوحيد إما لتعظيم الرَّسُول إلَى آخره.
هذا إذا كان فإن لم يستجيبوا لكم ابتداء كلام الله تَعَالَى غير داخل في حيز (قل) . وأما إذا كان داخلًا
في حيز (قل) يكون المخاطبون بـ (لكم) الْكُفَّار الَّذينَ تحدوا بالقرآن والضَّمير في (فإن لم يستجيبوا) لـ من
استطعتم. يعني فإن لم يستجب لكم من تدعونه مِنْ دُونِ اللَّهِ إلَى المظاهرة عَلَى معارضة الْقُرْآن
لعلمهم بالعجز عنه (فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ) .