إذا ضاع فلم نجد معهم ما كنا نتوقع من الشفاعة وإن كانوا حاضرين لكنهم لعدم نفعهم
كأنهم كانوا غائبين.
قوله:(أي بل تبين لنا أنا لم نكن نعبد شيئًا بعبادتهم فإنهم ليسوا شيئًا يعتد به
كقولك: حسبته شيئًا فلم يكن)أي بل تبين لنا أوله بذلك لأن ظاهره كذب صريح أشار بهذا
إلى وجه غير ما ذكره في قَوْله تَعَالَى: (والله ربنا ما كنا مشركين) حيث
حمله عَلَى الكذب ولم يأوله لأن قَوْلُه تَعَالَى بعده (انظر كَيْفَ كذبوا عَلَى أنفسهم)
الآية. يأبى عن التأويل لأنه لو أوله لا يكون كذبًا وهو خلاف ما دل عليه
النص، وأما هنا فلم يوجد ما ينافي التأويل فأوله الشيخان.
قوله: (مثل هذا الضلال) هذا مشبه به والمشبه عدم اهتدائهم إلَى شيء ينفعهم في
الْآخرَة كما نبه عليه الْمُصَنّف بقوله: (حتى لا يهتدوا) فذلك إشَارَة إلَى ما قبله.
قوله:(حتى لا يهتدوا إلَى شيء ينفعهم في الْآخرَة، أو يضلهم عن آلهتهم حتى لو
تطالبوا لم يتصادفوا)فيكون ذلك إشَارَة إلَى ما بعده وتكون الكاف للعينية لا للتشبيه حتى
لو تطالبوا لم يتصادفوا إما لتوسط الحائل بينها وبينهم أو لعدم نفعهم كأنهم لم يتصادفوا
ودخول لو عَلَى الْمُضَارِع لقصد استمرار الْفعْل فيما مضى وقتًا فوقتًا وكلمة بل للترقي
لأنهم أجابوا عن السؤال عَمَّا عبدوه بأن آلهتهم الباطلة ليست بموجودة للحائل بينهم أو
ليست بنافعة وإن كانت حاضرة ثم أضربوا عنه بطَريق الترقي فقَالُوا قد تبين لنا أنها ليست
بشيء معتد به حتى بالغوا في ذلك فنفوا عنها الشيئية ومرادهم نفي كونها شَيْئًا معتدًا به؛ إذ
كونها شَيْئًا بديهي لا مجال لإنكاره إلا بتنزيل الوجود منزلة العدل لعدم نفعها، ثم الظَّاهر أن
يقال مثل هذا الإضلال لأنه مَفْعُول مطلق لقوله: (يضل الله) لكن لما كان
الإشَارَة إلَى ما قبله من قوله (ضلوا عنا) قال مثل ذلك الضلال فيكون مَفْعُولًا مُطْلَقًا ليضلوا
من الثلاثي اللازم لقوله: (يضل الله الْكَافرينَ) مثل أنبته الله نباتًا. قوله حتى لا
يهتدوا إشَارَة إلَى ذلك لأن عدم الاهتداء هُوَ الضلال فعلم مما قررنا أن الإضلال ليس
بمعنى الخذلان هنا لأن قولهم (ضلوا عنا) لا يلائم معنى الخذلان في الوَجْهَيْن أظهر
الْكَافرينَ مَوْضع المضمر لبيان سبب الحكم ولرعايته.
قَوْلُه تَعَالَى: (ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ(75)
قوله: (الإضلال) بمعنى صرفهم عن الاهتداء إلَى شيء ينفعهم في الْآخرَة، وهذا في
الدُّنْيَا أو بمعنى صرفهم عن آلهتهم الخ. وهذا في الْآخرَة كما أن ضلالهم في الْآخرَة حيث
لم يجدوا ما يتوقعون من آلهتهم.
قوله: (تبطرون وتتكبرون) تطرون من باب علم. وتتكبرون عطف تفسير له في
الْمَعْنَى لأن معنى بطر سر ونشط غرورًا فهو أخص من السرور ومستلزم للكبر أو عين
له قوله (في الْأَرْض) إشَارَة إلَى أنهم مع كونهم مخلوقين من الْأَرْض والطين متمكنون في