الاحتمال فالتكبر وكذا الغي معنى مجازي للرهق فإن أصل معناه غشيان الشيء وستره كقوله
تَعَالَى: (وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ) والتكبر مشابه بالغشيان وكذا [الغي] والطغيان فإن التكبر
والطغيان ملابس له بحَيْثُ [يعسر أو يتعذر] مفارقته وإسناد الزّيَادَة إلَى الإنس والجن مجاز عقلي
للسببية والفاء عَلَى الأول للسببية مع التعقيب، وعلى الثاني الفاء داخل عَلَى السبب بحسب
الظَّاهر فيأول بأن الزّيَادَة مسبب ذهنًا فدخول الفاء باعْتبَار مسببيته ذهنًا وإن [كانت] الزّيَادَة سببًا
في الخارج أو لكون السبب باقيًا يترتب عَلَى المسبب ويعقبه باعْتبَار الانتهاء، وإن كان عكسه
باعْتبَار الابتداء ولا حاجة إلَى الْقَوْل للترتيب في الْإخْبَار وإن صح كما في قَوْله تَعَالَى:(ثُمَّ
لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ)الآية. فإن الفاء فيه للترتيب في الْإخْبَار صرح به
الفاضل السعدي، وبهذا يظن رجحان الوجه الأول فتأمل ولذا قدمه.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا(7)
(وأنَّ الإنس) .
قوله:(أيها الجن أو بالعكس، والآيتان من كلام الجن بعضهم لبعض، أو استئناف كلام
من الله)بعضهم لبعض، والخطاب لهم وإذا كان اسْتئْنَافًا فالخطاب للإنس فقوله أو بالعكس
ناظر إلَى احتمال الاسْتئْنَاف، ولو قيل إن كل واحد من المَعْنَيَيْن [ناظرٌ] إلَى كل واحد من
الاحتمالين لاحتاج إلَى التمحل والتَّكَلُّف، وأسند هنا ما للبعض من النوعين إلَى الكل؛ إذ
الظن الْمَذْكُور فعل البعض.
قوله: (ومن فتح أنَّ فيهما جعلهما من الموحى به) فيكون الْمَعْنَى (أوحي إليَّ)
(وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ) الآية. فالخطاب للإنس كما في صورة
الاسْتئْنَاف، والْمُرَاد بالبعث بعث الرسل وكون الْمُرَاد بعث الموتى بعيد. وقيل قوله:(وأنا
لمسنا السماء)كلام الجن أو مما صدقوه عَلَى [القراءتين] لا من الموحى به
فنخلل ما تخلل بَيْنَهُمَا وليس اعتراضًا غير جائز إلا أن يتناول بما يجري مجراه لكونه يؤكد
ما حدث عنهم من تماديهم في الكفر، ولا يخفى ما فيه من التَّكَلُّف انتهى. فجعله مما صدقوه
أولى من جعله من الموحى به لكن الشيخان مالا إلَى جعله من الموحى به وجعل ما بَيْنَهُمَا
في حكم الاعتراض لما فيه من التوكيد والوعيد الأكيد.
قوله: (ساد مسد مَفْعُولي ظَنُّوا) وأنْ مخففة من الثقيلة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: والآيتان من كلام الجن. أي قَوْلُه تَعَالَى: ( [وَأَنَّهُ] كَانَ رِجَالٌ) (وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا) بالكسر
فيهما من كلام الجن. قوله ومن فتح أن فيهما جعلهما من الموحى به. قال صاحب الكَشَّاف وفي هذا
الْقَوْل ضعف لأن قوله: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ) من كلام الجن ومما صدقوه محلى القراءتين
لا من الموحى إليه إلا أن يجري مجراه لكونه يؤكد ما حدث عنهم من تماديهم في الكفر أولًا وهو
المُسْتَفَاد من قوله: (وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا) ولا يخفى ما فيه من التَّكَلُّف.