قوله: (وتقديم الصلة للتَّخْصِيص) تأويله توكلنا مقصور عَلَى الاتصاف بكونه عَلَى الله
تعالى لا يتجاوزه إلَى غيره فهو من قصر الْمَوْصُوف عَلَى الصّفَة وذكره عقيب آمَنَّا به للتنبيه
على أن كمال الإيمان بالتوكل عليه تَعَالَى.
قوله: (والإشعار به) أي بأن غيره لا يضر ولا ينفع، وفي الإشعار إشعار بأنكم
أيها الكفرة الفجرة لا تقدرون عَلَى الإضرار بنا بالذات إلا أن يشاء الله ربنا وسع كل
شيء علمًا.
قوله: (فَسَتَعْلَمُونَ) أي في يَوْم الْقيَامَة الفاء للتفريع أي إذا كنا آمَنَّا
به وبما جاء من عنده تَعَالَى وكتم مصرين عَلَى الكفر فَسَتَعْلَمُونَ حين [أخذكم] العذاب
وكشف عنكم الحجاب وقد مَرَّ مرارًا أن مثل هذا الْكَلَام من كلام الْمُصَنّف المسكت
للخصم المشاغب.
قوله: (منكم ومنا، وقرأ الكسائي بالياء) عَلَى الظَّاهر، وأما القراءة بالتاء فلا التفات.
قَوْلُه تَعَالَى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ(30)
قوله: (غائرًا في الأرض بحيث لا تناله الدلاء مصدر وصف به) أي غَوْرًا مصدر
بمعنى اسم الْفَاعل وتقدير ذا غور صحيح لكن هذا التأويل لا يلائم قوله مصدر وصف به
إلا أن يقال إن مراده لو لم يقصد المُبَالَغَة لكان حق الْكَلَام غائرًا. الدلاء جمع دلو أشار به
إلى أن الْمُرَاد ليس العدم بالكلية ولا الغور اليسير بل الغور بحَيْثُ لا يناله الدلاء فاعل عَلَى
الإسناد المجازي. وفي نسخة لا ينال بالدلاء وهو الظَّاهر أي لا ينال بالدلاء وإن اطالوا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: للتَّخْصِيص والإشعار به. أي وللإشعار بأن غيره لا يضر ولا ينفع كأنه قيل: وعليه
توكلنا دون غيره لأن غيره لا يقدر عَلَى النفع والضر. وفي الكَشَّاف: أخر المتعلق في آمنا وقدم
في توكلنا لوقوع آمَنَّا تعريفًا بالكافرين حين ورد عقيب ذكرهم كأنه قيل: آمنا ولم نكفر كما
كفرتم ثم قال (وعليه توكلنا) خصوصًا لم نتكل على ما أنتم متكلون عليه
من رجالكم وأموالكم. يعني كان من حق الظَّاهر أن يقال: فمن يجيركم لأن الشرط(قل أرأيتم
إن أهلكني الله)فعدل إلَى المظهر إشعارًا لبيان الكفر هُوَ سبب الهلاك فإن
الإيمان هُوَ الوسيلة في النجاة ثم جيء بقوله: (قل هُوَ الرحمن آمَنَّا به) جوابًا
لقوله: (قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي) عَلَى سبيل التبكيت أي هُوَ
الرحمن يجيرنا لأنا آمنا له ولم نكفر كما كفرتم، ولما لم يكن المقصود في الإيراد نفي الشرك
وإثبات التوحيد لأن الْكَلَام في الإهلاك والإنجاء جيء بقوله: (آمَنَّا به) وأما
تركيب به آمَنَّا فإنما يجاء في مقام إثبات التوحيد ونفي الشرك، وأما في قوله: (وعليه توكلنا)
فالتقديم واجب لأن مقام الخلاص والنجاة يقتضي حصر المتوكل عليه في المنجي
الحق وهم كانوا متوكلين عَلَى الرجال والأموال فعلى الْمُؤْمنينَ أن يقولوا نحن لا نتوكل عَلَى ما
أنتم متكلون عليه بل عَلَى الرحمن توكلنا خصوصًا. تمت السُّورَة ومعاني الْقُرْآن لا غاية لها. أحمد
الله مفتتحًا ومختتمًا وباللَّه [أفتتح] وباستعانته أشرع في حل ما في تفسير سورة نون.