والوعيد فالْجُمْلَة خبر أَيْضًا لأنها أريد بها لازمه مَجَازًا ويسوغ حملها عَلَى إنشاء التعظيم
وإنشاء التهديد، والواو إما عاطفة واسْتئْنَافيَّة كَمَا سَبَقَ بيانه .
قوله: (ولأنه أدخل في التعظيم من الكناية) أي أقوى وأظهر في التعظيم لدلالته عَلَى
جميع صفات الْكَمَال والمدح بها من الكناية أي من ذكر المعبر الراجع إليه كناية، والْمُرَاد
بالكناية الْمَعْنَى اللغوي.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ
بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ
قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283)
قوله: (أي مسافرين) : بيان حاصل الْمَعْنَى، وإلا فحق البيان راكب سفر عَلَى
الاسْتعَارَة التمثيلية. وقد مَرَّ تفصيله في قَوْله تَعَالَى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ)
الآية. (وَلَمْ تَجِدُوا كاتِبًا) بأن لا يوجد الكاتب في ذاته أو يوجد ولا يوجد ما
يتوقف عليه الْكِتَابَة مثل القرطاس والقلم .
قوله: (فالذي يستوثق به رهان أو فعليكم رهان أو فليؤخذ رهان) لما وجب كون
الْجَزَاء جملة ذكر رحمه الله في التوجيه أوجهًا ثلاثة: الأول أن البرهان خبر مبتدأ مَحْذُوف
والثاني هُوَ مبتدأ مَحْذُوف الخبر. والثالث فاعل فعل مَحْذُوف. قوله فالذي الخ. قدمه مع كونه
إطنابًا لأن فيه تعرضًا للغرض من الرهن وهو الاستيثاق مع أن الرهن لكونه نكرة يَنْبَغي أن
يجعل خبرًا. فإن قيل هذا معارض بأن الأخيرين يدلان عَلَى الوجوب؟ قلنا الخبر في مقام الأمر
من الشارع آكد. وقدم الثاني لكونه جملة اسمية. قوله أو فعليكم رهان قد مَرَّ أن عَلَى يفيد
الوجوب بحسب الاسْتعْمَال والعرف فلا حاجة في مثله إلَى كون الْجُمْلَة الخبرية إنشائية .
قوله: (وليس هذا التعليق لاشتراط السفر في الارتهان كما ظنه مجاهد والضحاك؛ لأنه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وليس هذا التعليق لاشتراط السفر. هذا جواب لما عسى يسأل ويقال: لم شرط السفر
في الارتهان ولا يخص به سفر دون حضر، وقد رهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - درعه في غير سفر. وتقرير
الْجَوَاب أنه ليس الغرض بتجويز الارتهان في السفر خاصة، ولكن السفر لما كان مظنة لإعواز
الكتب والإشهاد والعجز عنهما أمر عَلَى سبيل الإرشاد إلَى حفظ المال من كان عَلَى سفر بأن يقيم
التوثق بالارتهان مقام التوثق بالكتب والإشهاد وتقرير السؤال أن بين الآية والْحَديث منافاة بحسب
الظَّاهر لأن مقتضى الآية انتفاء الارتهان بابتغاء السفر ومقتضى الْحَديث خلاف ذلك وتحرير
الْجَوَاب أن مفهوم الشرط إنما اعتبر لو لم يخرج مخرج الأغلب. أما إذا ذكر الشرط لكونه أغلب
فلم يلزم من انتفائه التقاء المشروط كما ليس قَوْلُه تَعَالَى (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ