كفرًا) بيد الله أي بقدرة الله وعموم الحوادث يدل عليه عموم ما يريد تابعة لمشيئته تَعَالَى
فقط فيما لم يكن لكسب العبد مدخل فيه ومع مشيئة العبد في فعل العبد خيرًا كان أو شرًا.
فيه رد عَلَى المعتزلة. إيمانًا أو كفرًا تَخْصيص بعد تعميم لمناسبة المقام .
قَوْلُه تَعَالَى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلا
خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254)
قوله: (ما أوجبت عليكم إنفاقه) يعني أن الأمر للوجوب لأنه حَقيقَة حَقيقَة ولا
صارت عنها ومعنى الإنفاق والرزق وإدخال من التبعيضية قد مَرَّ في قَوْله تَعَالَى:(ومما
رزقناهم ينفقون).
قوله: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ) لا تقدرون فيه على تدارك ما فرطتم، والخلاص من عذابه
إذ لا بيع فيه فتحصلون ما تنفقونه، أو تفتدون به من العذاب ولا خلة حتى يعينكم عليه
أخِلَّاؤكم أو يسامحوكم به ولا شفاعة إِلَّا (مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا) حتى تتكلوا
على شفعاء تشفع لكم في حط ما في ذممكم) لا تقدرون الخ. يعني أن قَوْلُه تَعَالَى:(لا
بيع)الخ. عبارة عن عدم القدرة عَلَى الخلاص من العذاب بنفي أسباب
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
اقتتل الَّذينَ من بعدهم) ، ومن قوله: (ولكن الله يفعل ما يريد)
وتعميم الحكم للخير والشر جَميعًا مُسْتَفَاد من عموم ما في قوله (يفعل ما يريد) .
قوله: (ما [أوجبت] عليكم إنفاقه، وإنَّمَا حمله عَلَى الإنفاق الواجب لاتصال الوعيد به وهو قوله
عز وجل: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ) الخ. وهو قول الحسن فإنه قال هذا
الأمر مختص بالزكاة قال لأن قوله (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ)
كالوعيد، والوعيد لا يتوجه إلا عَلَى ترك الواجب. وقال الأكثرون هذا الأمر يتناول الواجب والمندوب
ليس في الآية وعيد فكأنه قيل حصلوا منافع الْآخرَة حين تكونون في الدُّنْيَا فإنكم إذا خرجتم من
الدُّنْيَا لا يمكنكم تَحْصيلها واكتسابها في الْآخرَة. والْقَوْل الثالث الْمُرَاد منه الإنفاق في الجهاد، والدليل
عليه أنه مذكور بعد الأمر بالجهاد وهذا قول الأصم. قَالَ الرَّاغب: حث الله الْمُؤْمنينَ عَلَى الإنفاق مما
رزقهم من النعماء النفسية والبدنية والخارجية وإن كان الظَّاهر في التعارف إنفاق المال ولكن قد يراد
به بذل النفس والبدن في مجاهدة العدو والهوى وسائر العبادات، ولما كانت الدُّنْيَا دار اكتساب وابتلاء
والْآخرَة دار ثواب وجزاء بين أن لا سبيل للْإنْسَان إلَى تحصيل ما ينتفع به في الْآخرَة [فابتدأ] بذكر
هذه الثلاثة لأنها أسباب اجتلاب المنافع المقصود إليها. أحدها المعاوضة وأعظمها المبايعة، والثاني ما
يناله بالمودة وهو المسمى بالصلات والهدايا. والثالث ما يصل إليه بمعاونة الغير وذلك هُوَ الشفاعة
وعلى هذا قال (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ)
ولما كانت العدالة بالقبول المجمل ثلاثة. عدالة في الْإنْسَان ونفسه، وعدالة بينه وبين
النَّاس، وعدالة بينه وبين الله فكَذَلكَ الظلم له مراتب، وأعظم العدالة ما بين العبد وبين الله وهو الإيمان
فأعظم الكفر ما يقابله؛ ولذلك قال (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) أي هم المستحقون لإطلاق هذا الوصف
عليهم بلا مشوبة ، ولما نفى أن يكون للكفار شيء مما ذكره في الْآخرَة بين أن ذلك ليس بظلم منه لهم
لكنهم هم الظالمون ؛ إذ هم الَّذينَ خسروا أنفسهم .