قَوْلُه تَعَالَى: (فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ(94)
قوله:(ابتدعه على الله بزعمه أنه حرم ذلك قبل نزول التَّوْرَاة على بني إسرائيل ومن
قبلهم)ابتدعه أي اخترعه إشَارَة إلَى التجريد ؛ إذ الافتراء هُوَ الكذب عن عمدٍ فالكذب معتبر
في مفهومه. قوله بزعمه الخ. جعل الافتراء عبارة عنه لأنه أمس بالمقام فاللام في الكذب
للعهد لتقدم ذكره، وكلمة الفاء مشعرة بالتخصيص ولو عم [لا يدخلون] فيه دخولًا أوليًّا .
قوله: (من بعد ما لزمتهم الحجة) بيان للمشار إليه المنفهم من قوله(قل فأتوا
بالتَّوْرَاة)؛ إذ يفهم منه أنهم لم يتجاسروا عَلَى [الإتيان بالتَّوْرَاة] كما رواه
المص. والافتراء عَلَى الله تَعَالَى وإن كان قبيحًا منكرًا لكنه بعد ما لزمتهم الحجة وعدم
قدرتهم عَلَى المحاجة أقبح، وعن هذا قيد به ولذا حكم عليهم بالظلم مع التَّأْكيدات .
قوله: (الَّذينَ لا ينصفون من أنفسهم ويكابرون الحق بعد ما وضح لهم) فهم يضعون
الشيء في غير محله، والظَّاهر أن قصر المسند عَلَى المسند إليه هنا ادعائي أو إضافي .
قَوْلُه تَعَالَى: (قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(95)
قوله: (تعريض بكذبهم أي ثبت أن الله صادق فيما أنزل) بعد التصريح بكذبهم مُبَالَغَة
في تقبيحهم والتعريض أن يذكر شيء بدل به عَلَى شيء آخر بلا كتابة وهو الْمُرَاد هنا. والْمَعْنَى
تحقق وثبت عندكم أَيْضًا فـ [حِينَئِذٍ] يتضح وجه التفريع في قوله (فاتبعوا) .
قوله: (وأنتم الكاذبون) إشَارَة إلَى أن الْكَلَام يفيد الحصر الإضافي بمعونة المقام لأنه
كذبهم أولًا ثم بين صدق الله ثانيًا فكان الْمَعْنَى صدق الله لا أنتم، وما ذكره المص حاصله .
قوله: (أي ملة الْإسْلَام التي [هي] في الأصل ملة إبْرَاهيم) لما كان الأمر بالاتباع لملة
إبْرَاهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ المقصود منه الأمر باتباع ملة نبينا عَلَيْهِ السَّلَامُ أشار المص إلَى وجه
إضافة الملة إلَى إبْرَاهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ فقال: إن ملة الْإسْلَام أكثرها موافق لشرع إبْرَاهيم عليه
السلام فلذا أضيفت إليه إما باعْتبَار ما كان، أو لأدنى ملابسة، فالْإضَافَة مجازية فلا يلزم كون
نبينا عَلَيْهِ السَّلَامُ عاملًا بشريعة إبْرَاهيم كأكثر أنبياء بَني إسْرَائيلَ، وقد مَرَّ من الْكَلَام في
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أي ثبت أن الله صادق فيما أنزل. [قال] (قُلْ صَدَقَ اللَّهُ) [يحتمل وجوهًا: أحدها: (قُلْ صَدَقَ) فِي أَنَّ ذَلِكَ النَّوْعَ مِنَ الطَّعَامِ صَارَ حَرَامًا عَلَى إِسْرَائِيلَ وَأَوْلَادِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ حَلَالًا لَهُمْ، فَصَحَّ الْقَوْلُ بِالنَّسْخِ، وَبَطَلَتْ شُبْهَةُ الْيَهُودِ وَثَانِيهَا: (صَدَقَ اللَّهُ) فِي قَوْلِهِ إِنَّ لُحُومَ الْإِبِلِ وَأَلْبَانَهَا كَانَتْ مُحَلَّلَةً لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَإِنَّمَا حُرِّمَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ لِأَنَّ إِسْرَائِيلَ حَرَّمَهَا عَلَى نَفْسِهِ، فَثَبَتَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَفْتَى بِحِلِّ لُحُومِ الْإِبِلِ وَأَلْبَانِهَا، فَقَدْ أَفْتَى بِمِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَثَالِثُهَا: صَدَقَ اللَّهُ فِي أَنَّ سَائِرَ الْأَطْعِمَةِ كَانَتْ مُحَلَّلَةً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَنَّهَا إِنَّمَا حُرِّمَتْ عَلَى الْيَهُودِ جَزَاءً عَلَى قَبَائِحِ أَفْعَالِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا) أَيِ اتَّبِعُوا مَا يَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ] .