فرعون قراءة ابْن عَبَّاسٍ - رضي الله تَعَالَى عنهما - تنكيرًا له أي لجعله نكرة لما فيه من كمال
الشناعة التي لم يعهد مثلها وبهذه النكرة جعل ذاته نكرة وكأنه سئل عنه لنكارته. قوله من
الشيطنة أي من كمال الخبث وفرط الفساد. وفي الكَشَّاف: (من فرعون) هل تعرفون من هُوَ في
عتوه وشيطنته فما ظنكم لعذابه أشار به إلَى ارتباطه بما قبله من قوله:(من العذاب
المهين)أي فعذاب من هُوَ شأنه هذا يكون أشد والإنجاء منه يكون أجسم
نعمة وأعظم منحة.
قوله: (متكبرًا) الأولى مستكبرا.
قوله: (في [العتو] والشرارة، وهو خبر ثان أي كان متكبرًا مسرفًا) أي كان متكبرًا مسرفًا
حاصل الْمَعْنَى وأصل الْمَعْنَى معدودًا من المسرفين الَّذينَ عهدوا بالإسراف وتجاوز الحد
في الطغيان وإضرار الْإنْسَان فهو أبلغ من قوله عاليًا مسرفًا، كَمَا صَرَّحَ به الْمُصَنّف في قوله
تَعَالَى: (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) .
قوله: (أو حال من الضَّمير في عالِيًا أي كان رفيع الطبقة من بينهم) أي من بين
المسرفين فائقًا عليهم في الإسراف. وتَخْصيص هذا الْمَعْنَى بالحال غير ظَاهر وجهه فإن فهم
من كونه حالًا فهم أَيْضًا من كونه خبرًا ثانٍ؛ إذ لا فرق بَيْنَهُمَا مآلًا وإن لم يفهم من الخبرية
لم يفهم من الحالية أَيْضًا عَلَى أن البعض ناقش فيه بأن هذا الْمَعْنَى إنما يستفاد من كونه
صلة عاليًا لكن عَلَى تقدير الصلة لا يفهم كونه مسرفًا، ولعل وجه ما ذكره الْمُصَنّف أنه إذا
كان حالًا من الضَّمير في عاليًا يكون كونه من المسرفين مقيدًا بالعلو فيلزم ما ذكره الْمُصَنّف
بخلاف الخبر فيندفع النحت الْمَذْكُور اخترنا بَني إسْرَائيلَ.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ(32)
قوله: (عالمين بأنهم أحقاء بذلك) هذا مآل الْمَعْنَى وما ذكر في النظم أبلغ من
عالمين ولكونه حالًا من الْفَاعل عبر بعالمين فهو ظرف مُسْتَقرّ متعلقه مَحْذُوف أي وباللَّه لقد
اخترناهم حال كوننا متمكنين عَلَى علم تام. وحاصله عالمين وحذف متعلق العلم والظَّاهر
أن الْمَحْذُوف استحقاقهم بالاختيار.
قوله: (أو مع علم منا بأنهم يزيغون في بعض الأحوال) أي مع تقصيرهم أنعمناهم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أي كان رفيع الطبقة من بينهم. وعليه كلام أبي البقاء وقوله رفيع الطبقة من بينهم إشَارَة
إلى أن التركيب من باب قولهم: فلان من العلماء. أي لهم مساهمة منهم.