قَوْلُه تَعَالَى: (وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا
وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (73)
قوله: (مرتلات الألفاظ مبينات المعاني بنفسها أو ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم) مرتلات الألفاظ
أي محكمات النظم لا يعتريه اختلال مبينات الْمَعَاني حمل الْبَيّنَات عَلَى بينات الْمَعَاني
لأن التبين شأن الْمَعَاني وكونها مرتلات الْمَعَاني ثابت باقتضاء النص بنفسها وهي الآيات
الظَّاهرَة والنص والمفسر والمحكم أو ببيان الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ وهي الآيات المجملة
والمشكلة والخفية، وأما المتشابهات فإنزالها ابتلاء للراسخين .
قوله: (أو واضحات الإعجاز) فالْبَيّنَات بمعنى اسم الْفَاعل فـ [حِينَئِذٍ] يكون من قبيل صفة
جرت عَلَى غير ما هي له ولخفائه أخَّره .
قوله: (أي لأجلهم أو معهم) فاللام للتعليل لا للخطاب يعني هذا الْقَوْل ليس خطابًا
للْمُؤْمنينَ بل لأجلهم وشأنهم قوله أو معهم فاللام صلة الْقَوْل فالْقَوْل إذا عُدِّيَ باللام يكون
بمعنى الخطاب فيكون معهم وليس مراره أن اللام بمعنى مع (الْمُؤْمنينَ والْكَافرينَ) .
قوله: (موضع قيام أو مكانًا. وقرأ ابن كثير بالضم أي موضع إقامة ومنزل) أي المقام
اسم مكان من القيام مقابل العقود لكن الْمُرَاد هنا بمعنى الثبات والمكث ويؤيده قراءة ابن
كثير فيكون بمعنى مكانًا فقوله أو مكانًا كعطف تفسير إن جعل أو بمعنى الواو أو الترديد
في العبارة إن أبقي عَلَى معناها ولا يتكرر مع قوله نديًا لأن الْمُرَاد به مَوْضع اجتماع
الأحباب للمشورة وفصل الخطاب كما أشار إليه بقوله ومجتمعا فأراد بالمقام منزله ومبيته
وبالندى مَوْضع الاجتماع مع الأقران والخلان .
قوله:(مجلسًا ومجتمعًا والمعنى أنهم لما سمعوا الآيات الواضحات وعجزوا عن
معارضتها والدخل عليها، أخذوا في الافتخار بما لهم من حظوظ الدنيا والاستدلال بزيادة
حظهم فيها على فضلهم وحسن حالهم عند الله تعالى، لقصور نظرهم على الحال). والْمَعْنَى أي
حاصل الْمَعْنَى أنهم أي الكفرة لما سمعوا الآيات هذا مفهوم من قول: (إذا تتلى عليهم)
فإنه يستلزم السمع. قوله الواضحات أي الواضحة الْمَعَاني أو الإعجاز فلذا لم
يقيدها واختار كون الْبَيّنَات اسم فاعل من بانَ أي ظهر وعجزوا من معارضتها هذا منفهم
من افتخارهم واشتغالهم بما لا يعنيهم ولا يغنيهم يدل عليه ما ذكر التزامًا. قوله والاستدلال
الخ. هذا ليس بمذكور هنا لكن ذكر في مَوْضع آخر قال تَعَالَى:(وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ
لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى)فما ذكر هنا يدل عَلَى الاستدلال بمعونة ذكره في مَوْضع
آخر كدلالة الحر في قوله: (سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) [عَلَى البرد] .