المجادلين ليس بمتعلق بالشرط الْمَذْكُور فيكون الْمُرَاد بعلم المجادلين التحذير كناية
والتحذير متعلق بالشرط الْمَذْكُور، فالْمَعْنَى إن يشأ يرسل العواصف فيجمع بين هذه الثلاثة
وقد مَرَّ غير مرة أن علم الله تَعَالَى كناية عن الْجَزَاء خيرًا كان أو شرًا. وفي قوله والتحذير
إشَارَة إلَى أن الْمُرَاد علم الله المجادلين لا علم المجادلين.
قوله: (محيد من العذاب) أي مهرب وخلاص من حاد عنه إذا مال وعدل عنه فكنى به
عما ذكر أو مجاز ملحق بالْحَقيقَة والْجُمْلَة للعموم في النفي لا لنفي العموم فيكون تذييلية إن
أريد العذاب الدنيوي وإن أريد العذاب الأخروي فيكون للتكميل والاحتراس أو للاعتراض.
قوله: (والْجُمْلَة معلق عنها الْفعْل) إذا كان الذين فاعلًا لأنها سادة مسد المَفْعُولَيْن لا
إذا كان مَفْعُولًا أولًا لأنها مَفْعُول ثانٍ حِينَئِذٍ وهو يكون مفرد أو جملة ومثله لا يسمى تعليقًا
كذا قيل. وكون الَّذينَ مَفْعُولًا مجزوم في صورة العطف عَلَى مقدر لأن فاعل ينتقم هُوَ الله
تَعَالَى وكذا فاعل يعلم فيكون الَّذينَ مَفْعُولًا لا محالة. قوله والْجُمْلَة معلق عام في هذه
الصورة أَيْضًا فتكون هذه مَفْعُولًا ثانيًا والمُسْتَفَاد منه أنه يسمى تعليقًا أَيْضًا عَلَى أن الظَّاهر
أن الموصول مَفْعُول عَلَى كل احتمال فتأمل ولا تغفل.
قوله: (فما أوتيتم) عبر به للإشَارَة إلَى أنه تفضل من الله تَعَالَى والفاء في فما أوتيتم
للتفريع عَلَى ما قبله من المفهوم عن قوله (ومن آياته الجوار) الخ. وهو أنكم تريحون
بركوبكم في تلك السفن الجارية بريح طيبة فأوتيتم بذلك زخارف الدُّنْيَا فبين تَعَالَى فما
أوتيتم من شيء حقير كيفًا وإن كان كثيرًا كما فمتاع أي فهو متاع الحياة الدُّنْيَا فلا تغترون
بها بل تكسبون به ما عند الله؛ إذ ما عند الله خير وأبقى.
قَوْلُه تَعَالَى: (فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى
رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36)
قوله: (تمتعون به مدة حياتكم) إشَارَة إلَى أنه هُوَ الْمُرَاد بالْإخْبَار الْمَذْكُور قوله مدة
حياتكم تنبيه عَلَى أن الْإضَافَة بمعنى في إذ بيان حاصل الْمَعْنَى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
يجادلون في آياتنا. قال صاحب الكَشَّاف فإن قلت: كَيْفَ يصح الْمَعْنَى عَلَى جزم ويعلم؟ قلت كأنه قال
وإن يشأ يجمع بين ثلاثة أمور هلاك قوم ونجاة قوم وتحذير آخرين. قال الطيبي: يعني يرجع معنى
الجزم إلَى قَوْله (وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ) إن يشأ يعلم الَّذينَ يجادلون في آياتنا فما
معناه؟ وأجاب بأن معناه التحذير وتقديره أن يقال ومن آياته الجواري في البحر كالأعلام إن يشأ
يهلك الْمُؤْمن العاصي بسبب عصيانه ويعف عن كثير لشمول رحمته وعموم لطفه وإن يشأ ينتقم من
الكافر بكفره ويجازيه عَلَى صرفه عن آيات الله المنبئة في الآفاق عَلَى اخْتلَاف أنواعها ولكن أمهل
بصيره وعلمه وكما عبر عن الْمُؤْمن بقوله: (صبار شكور) عبر عن الكافر
بقوله: (الَّذينَ يجادلون في آياتنا) نعم جاء ذكر الكافر مستطرد الذكر العاصي
وعصيانه لأن يعفو عن كثير في الْآيَتَيْن وارد في حق الْمُؤْمنينَ والله أعلم.