قَوْلُه تَعَالَى: (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى
وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (22)
قوله: (بأن فوض أمره إليه وأقبل بشراشره عليه) فالْمُرَاد الْإسْلَام اللغوي وهو الانقياد
وتعديته بـ إلى لتضمنه معنى التفويض أشار إليه بقوله بأن فوض الخ. ولم يقل ومن يفوض
أمره الخ. والْمُرَاد بالوجه الذات مجازًا وقدر الأمر لأن الْمُرَاد بتسليم ذاته تفويض أمره أي
جميع أمره عَلَى أن الْإضَافَة للاسْتغْرَاق وفي إيقاع التسليم عَلَى وجهه بمعنى ذاته مُبَالَغَة في
تفويض أمره كحرمة العين في قَوْله تَعَالَى: (حرمت عليكم الميتة) الآية.
ولذلك قال وأقبل بشراشره عليه أي بكليته بالانقطاع عن جميع ما سواه ولو قيل من يسلم
أمره لم يفهم ذلك .
قوله: (من أسلمت المتاع إلى الزبون) هذا الْمَعْنَى مأخوذ من أسلمت المتاع إلَى
الزَّبون بفتح الزاء المشتري من [الزبن] وهو الدفع، كَمَا صَرَّحَ به في سورة العلق وكنى به عن
التبايع لتدافع المتبايعين في الأسواق وفي القاموس مولد .
قوله: (ويؤيده القراءة بالتشديد) أي يؤيد كون الْإسْلَام بمعنى التفويض القراءة
بالتشديد لأن التسليم أشهر فيه من الْإسْلَام فالأصل توافق القراءات وكلاهما مجاز في
التفويض لأنهما بمعنى الانقياد، وإذا عُدي بـ إلى يكون بمعنى التفويض لكونه لازمًا له .
قوله: (وحيث عُدِّيَ باللام) كقوله (لنسلم لرب الْعَالَمينَ) وجه
تعديته بـ إلى لأن المسلم أموره له يجعلها منتهية إليه ووجه تعديته باللام فلا خلاصة له
وتَخْصيصه به أو الغرض من التسليم ذلك كما قاله الْمُصَنّف في تعدية الهداية بـ إلى واللام
في سورة يونس .
قوله: (فلتضمن معنى الْإخْلَاص) هذا يؤيد ما ذكرناه آنفًا من أن تعدية بـ إلى لتضمن
معنى التفويض، والْمُرَاد بالتضمن كونه ملاحظًا في ضمن معناه ويحتمل أن يكون الْمُرَاد
معناه الاصْطلَاحي وإن أريد به التفويض في الأول ولا خلاص في الثاني يكون مَجَازًا لا
التضمن والتَّضْمين .
قوله: (وهو محسن) حال مؤكدة .
قوله: (في عمله) كمًا أو كيفًا .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: بأن فوض أمره إليه وأقبل بشراشره عليه. يريد أن يسلم لتضمينه معنى التفويض عُدي
بكلمة إلَى وإلا فهو معدى باللام كقوله عز وجل: (بلى من أسلم وجهه للَّه) وفي
الكَشَّاف: معناه مع اللام أنه جعل وجهه وهو ذاته ونفسه سالمًا لله. أي خالصا له ومعناه مع إلَى أنه
سلم إليه نفسه كما يسلم المتاع إلَى الرجل إذا دفع إليه، والْمُرَاد التوكل عليه والتفويض إليه
والشراشر الإنقال جمع شرشرة يقال ألقى عليه شراشره أي نفسه حرصًا ومحبة، والْمُرَاد أقبل عليه
بكلته حرصًا ومحبة .