التقليد فإنه أشرف آبائهم) ليروا أي ليعلموا بيان الْمُرَاد من ذكر قوله عَلَيْهِ السَّلَامُ والإشَارَة
إلى ارتباطه بما قبله بوَجْهَيْن. الأول أنه تبرأ عن التقليد وتمسك بالدليل فاقتدوا به لَعَلَّكُمْ
تُفْلحُونَ دون آبائكم الضالين والوجه الثاني ترغيب لتقليدهم إياه أي إن لم يكن بدلهم من
التقليد لقصور نظرهم في الدليل فليقلدوه لأن اتباع العبر في الدين إذا علم بدليل أنه محق
ليس بتقليد في الْحَقيقَة بل أتباع لما أنزل الله تَعَالَى. قوله: فإنه أشرف آبائهم إشَارَة إلَى وجه
تَخْصيص إبْرَاهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ بالذكر من بين الْأَنْبيَاء.
قوله: (برئ من عبادتكم أو معبودكم) تفسير براء بفتح الباء الموحدة. قوله من
عبادتكم تنبيه عَلَى أن (ما) مصدرية أو معبودكم أي أن (مَا) موصولة والعائد مَحْذُوف أي مما
تَعْبُدُونَه وهو أبلغ من الأول لأنه مستلزم للأول دون الأول؛ لأن الْمُرَاد بالمعبود الأصنام فقط
والبراءة من الأصنام أقوى في المرام.
قوله: (مصدر نعت به ولذلك استوى فيه الواحد والمتعدد والمذكر والمؤنث) أي براء
مصدر مثل ذهاب نعت به أي وصف به الذات مع أنه مباين له للمُبَالَغَة كرجل عدل. ولذلك
أي لكونه مصدرًا يَشْمَل القليل والكثير استوى الخ.
قوله: (وَقُرئَ «بريء» و «بُراء» ككريم وكرام) براء بضم الباء جمع برئ وكُرام بضم
الكاف من كان الْمَشْهُور بكسر الكاف.
قَوْلُه تَعَالَى: (إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ(27)
قوله: (استثناء منقطع) لعدم دخوله فيما قبله أما عَلَى الأول فظَاهر لأن ما قبله هُوَ
الْعبَادَة، وأما عَلَى الثاني فلأن ما مختصة بغير ذوي العقول، وأمَّا التغليب فلا يناسب هنا.
قوله:(أو متصل على أن «ما» يعم أولي العلم وغيرهم، وأنهم كانوا يعبدون الله
والأصنام والأوثان)أو عَلَى أن «ما» يعم أي عَلَى سبيل الْحَقيقَة، كَمَا صَرَّحَ به في سورة النحل. وأشار
إليه أَيْضًا هنا فلا ينافي ما سبق من أنه لا يناسب التَغْليب. قوله وأنهم كانوا الخ. أي كونه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: استثناء منقطع. كأنه قال لكن الذي فطرني سيَهْدين. وفي الكَشَّاف: (الَّذِي فَطَرَنِي) فيه غير
وجه:[أن يكون منصوبا على أنه استثناء منقطع، كأنه قال: لكن الذي فطرني فإنه سيهدين، وأن يكون مجرورا بدلا من المجرور بمن، كأنه
قال: إننى براء مما تعبدون إلا من الذي فطرني]. ثم قال فإن قلت: كيف تجعله بدلا وليس من جنس
ما يعبدون من وجهين، أحدهما: أن ذات الله مخالفة لجميع الذوات، فكانت مخالفة لذوات ما يعبدون.
والثاني، أن الله تعالى غير معبود بينهم والأوثان معبودة؟ قلت: قالوا: كانوا يعبدون الله مع أوثانهم. تم كلامه
لما كان اعتبار البدلية مبنيًا عَلَى كون الاستثناء متصلًا بين وجه الاتصال بأن ما يعبدون الله عام
يدخل فيه من هو معبود بالحق وغيره وهو الْمُرَاد من قوله: كانوا يعبدون الله مع أوثانهم. ومن قول
القاضي وأنهم كانوا يعبدون الله والأوثان. قال صاحب الفوائد: لما كانوا يعبدون الله مع الآلهة
فالنظر إلَى كونه معبودًا يصح أن يكون بدلًا.