متصلًا بناء عَلَى أمرين الأول ما ذكر والثاني أنهم كانوا يعبدون الله الخ. ولا كلام فيه
لكن الْكَلَام في أن عبادتهم الله تَعَالَى هل هي معتد بها أم لا. وقد صرح به في أواخر
سورة المائدة أن عبادة الله تَعَالَى مع غيره كلا عبادة، فلا يكون الاستثناء متصلًا إلا أن
يقال إن كلامه هنا بحسب الظَّاهر وهناك بحسب نفس الأمر وجرى كلامه في سورة
الشعراء أَيْضًا عَلَى الظَّاهر فجعل قوله: (إلا الذي خلقني) استثناء
منقطعًا تارة ومتصلًا أخرى.
قوله: (أو صفة عَلَى أن ما مَوْصُوفة أي إنني براء من آلهة تَعْبُدُونَها غير الذي فطرني)
أو صفة مَعْطُوف عَلَى قوله استثناء أي أو صفة لا استثناء عَلَى أن ما مَوْصُوفة نكرة وإلا
بمعنى غير كما في عليه بقوله غير الذي فطرني. قوله إنني براء من آلهة الخ. إشَارَة إلَى أن ما
مَوْصُوفة في معنى الجمع لكونه عامًا أو في حكم العام فيوجد شرط كون إلا بمعنى غير
وهو كونها تابعة لجمع غير محصور، وفيه نوع تكلف ولذا أخَّره، وإنَّمَا اشترط كون إلا بمعنى
غير يكون ما مَوْصُوفة لأن غير وما في معناه لا يتعرف بالْإضَافَة إلَى المفردة فلا يصح أن
يكون صفة لـ ما إذا اعتبرت موصولة عَلَى أن ما الموصولة لا تكون في حكم جمع منكر غير
محصور فلا يوحد الشرط ثم كون ما عامة له تَعَالَى بناء عَلَى أن في الْكَلَام ما يدل عَلَى
عدم التسوية بينه تَعَالَى وبين غيره كما في الإشراك في الضَّمير وهنا كَذَلكَ فلا إشكال بأن
الزَّمَخْشَريّ صرح في سورة النمل أنه لا يجوز الجمع بين الله تَعَالَى وغيره في اسم واحد
لما فيه من إيهام التسوية بينه تَعَالَى وبين غيره وهو مما يجب اجتنابه في ذاته وصفاته لأنه
إذا لم يكن في الْكَلَام ما يدل عَلَى خلافه.
قوله: (سيثبتني عَلَى الهداية أو سيَهْديني إلَى ما وراء ما هداني إليه) سيثبتني أوله
لأنه عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى الهداية فتكون السين للتأكيد لا للاسْتقْبَال بالنسبة إلَى نفس
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أو صفة عطف عَلَى استثناء. يعني كلمة إلا في (إلا الذي فطرني) استثناء أو صفة
بمعنى غير وما في (مما تعبدون) مَوْصُوفة لا موصولة. والْمَعْنَى إنني براء من شيء تَعْبُدُونَه غير
الذي فطرني، وإنما شرط في احتمال الصفة أن تكون ما مَوْصُوفة لأن الموصولة معرفة لا يوصف
بغير وإن أضيف إلَى المعرفة لأن غير لا يتعرف بالْإضَافَة لتوغله في النكارة والإبهام فلا يكون
وصفًا للمعرفة بخلاف هنا الْمَوْصُوفة فإنها نكرة بمعنى سيجيء فيواصف بالنكرة.
قوله: سيثبتني عَلَى الهداية أو سيَهْدين إلَى ما وراء ما هداني. وإنما فسره بهذين الوَجْهَيْن لأن
سيَهْدين إخبار عَمَّا سيقع من الهداية وهو عَلَيْهِ السَّلَامُ مهتد بالْفعْل يجب أن يحمل معنى سيَهْدين
على الْمَجَاز بأن يقال الْمُرَاد التثبيب عَلَى الهداية لا نفس الهداية أو يكون حَقيقَة، والْمُرَاد ليس
[الهداية] الحاصلة بالْفعْل بل ما وراء الهداية الحاصلة من أنواع الهدايات أو الدلالات إلَى طرق الخير.
وفي الكَشَّاف: فإن قلت: ما معنى قوله (سَيَهْدِينِ) على التسويف؟ قلت: قال مرة
فَهُوَ يَهْدِينِ ومرّة فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ فاجمع بينهما وقدّر، كأنه قال. فهو يهدين وسيهدين، فيدلان على
استمرار الهداية في الحال والاستقبال. يعني لما عبر عن الْمَعْنَى الواحد في الموضعين بلفظين