قَوْلُه تَعَالَى: (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ
تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51)
قوله:(بنفسه أو بمناديه. [فِي قَوْمِهِ] . في مجمعهم أو فيما بينهم بعد كشف العذاب عنهم مخافة
أن يؤمن بعضهم) بنفسه فيكون الإسناد حقيقيًا أو بمناديه فيكون مجازيًا قدم الأول لكون
الإسناد حقيقيًا في مجمعهم. أي نادى متعد بنفسه قال تَعَالَى:(وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّة
أصحاب النَّار)الآية. والظَّاهر (ونادى فرعون قومه) .
فنزل منزلة اللازم وعدي بـ في للدلالة عَلَى أن النداء في محل جمعهم وشهرة النداء فيما
بينهم بحَيْثُ لا يخفى عَلَى أحد منهم إما بالذات أو بالواسطة، ولو جاء عَلَى أصله لم يفد
ذلك مع أنه المقصود لما سيجيء من قوله مخافة أن يؤمن بعضهم، فالْمَعْنَى وقع النداء في
مجمعهم لإيصال النداء إلَى كلهم. قوله بعد كشف العذاب إشَارَة إلَى ارتباطه بما قبله
فمقتضاه فنادى بالفاء لكنه جيء بالواو إحالة إلَى العقل وهو أقوى الدليلين وفي سورة
الأعراف (فانتقمنا منهم) بعد قوله: (إذا هم ينكثون)
والفاء تدل عَلَى أن الانتقام تحقق عقب النكث وما ذكر هنا يدل عَلَى أن الانتقام
وإغراقهم في اليم يعد النكث مدة فالتفصي إما بحمل الفاء عَلَى السببية بدون تعقيب أو
التعقيب في بابه وبالاعتبار الذي يناسبه قوله بعد كشف العذاب إشَارَة إلَى أن نادى عطف
على فاجأوا المقدر. قوله مخافة الخ. يؤيد ذلك ولم يذكر هذا النداء في الأعراف لما
عرفت من أن الاختصار في الحكاية واقع شائع.
قوله: (أنهار النيل ومعظمها أربعة [أنهر] : نهر الملك، ونهر طولون، ونهر دمياط، ونهر تنيس)
إشَارَة إلَى وجه كون الأنهار جمعًا. قيل فالْمُرَاد بالنهر الخلبج وقد صح منه خليجان متشعبان
إلى أطرافها لسقي العباد والبلاد كما هُوَ معروف فيها ولكل منها اسم يخصه نهر الملك
وطولون اسم سلطان مَشْهُور وممنوع من الصرف، ودمياط بالدال المهملة مدينة معروفة نقل
عن ابن خلكان أنه قال وأصلها بالسريانية ذمياط بالذال الْمُعْجَمَة ومعناها القدرة الربانية لما
فيها من مجمع البحرين الملح والعذب. وقيل اسم بانيها ونهر تنيس كسجيل بلدة بقربها فيها
ثياب فاخرة مَشْهُورة. فإن قيل نهر طولون امتلأ من حفرة أحمد بن طولون ملك مصر فلا
يصح تفسير قوله فرعون به؟ قلت كذا أورده بعضهم وخطأ المص فإما أن يكون بيانًا للمراد
بالأنهار في الآية كأنها الخلجان مع قطع النظر عن خصوصها أو يكون ذلك قديمًا اندرس
[فجدده] ابن طولون كذا قيل.
قوله: (تحت قصري أو أمري) قصري أي الْمُضَاف مقدر فالتحتية مكانية وهو الظَّاهر
ولذا قدمه. قوله أو أمري فالتحتية معنوية مجازية والجامع الاستعلاء مُطْلَقًا حسبي في المشبه