قوله:(والأكثر على أنها نزلت في الوليد بن المغيرة وكان يتبع رسول الله صلّى الله عليه وسلم فعيره
بعض بعض المشركين وقال: تركت دين الأشياخ وضللتهم)نبه به عَلَى قول آخر. وقيل نزلت في
العاص بن وائل السهمي لما أنه كان يوافق النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ في بعض الأمور. وقيل في أبي
جهل كان ربما يوافق الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ في بعض الأمور وكان يقول واللَّه ما يأمرنا مُحَمَّد
إلا بمكارم الأخلاق وذلك قَوْلُه تَعَالَى (وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى) والْمُتَبَادَر
إعطاؤه المال فهذان الْقَوْلان لا يلائمان، عَلَى أن شدة أبي جهل عداوة وإفراطه أذية يرد هذا
الْقَوْل، وما اختاره الْمُصَنّف مما ذكره الواحدي في أسباب النزول [قبل] ولم أرَ له تخريجًا في
غيره، والْمُرَاد بالأشياخ رؤساء الْكُفَّار وهو كما ترى دين الأشياخ ترك دين الشبان والأقران
لكن تَخْصيص الأشياخ بالذكر لكمال التوبيخ بأنك تركت اقتداء من يجب الاقتداء به
بزعمهم الباطل. قوله وضللتهم أي وجعلت بعض الشيوخ ضالًا حيث تركوا دينهم بسب
تركك دينك.
قوله:(فقال أخشى عذاب الله تعالى فضمن أن يتحمل عنه العقاب إن أعطاه بعض ماله
فارتد وأعطى بعض المشروط ثم بخل بالباقي)فقال أي عقب قوله أخشى عذاب الله تَعَالَى
إن رجعت إلَى دين الأشياخ فضمن أي بعض الْمُشْركينَ. قوله وبخل بالباقي والتَّعْبير بالبخل
للإشَارَة إلَى أنه مَوْصُوف بالبخل المذموم والكذب القبيح ولذلك ذمه الله تَعَالَى فلا إشكال
بأن القطع الْمَذْكُور ليس بمذموم كما أن إعطاءه ليس بمذموم من حيث إنه إعطاء بل لكونه
لأجل المفسدة ولذلك [ذمه] الله تَعَالَى بالإعطاء وتركه.
قَوْلُه تَعَالَى: (أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى(35)
قوله: (يعلم أن صاحبه يتحمل عنه) أي يرى من الرؤية القلبية لأن ما يتفرع عَلَى علم
الغيب العلم بذلك وهذا أبلغ من قوله فيرى. قوله أن صاحبه وهو بعض الْمُشْركينَ يتحمل
العذاب عنه فلذا ارتد معاذ الله وأعطى ولا يكون عنده علم الغيب بشيء ما فضلا عن ذلك
والاسْتفْهَام لإنكار الوقوع.
قَوْلُه تَعَالَى: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى(36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37)
قوله: (وَفَّر وأتم ما التزمه أو أمر به، أو بالغ في الوفاء بما عاهد الله) وأتم ما التزمه
معنى وفَّر من التوفير أي فادى ما أمر به كاملًا وقام به حق القيام. والحاصل أن التوفية
والتوفير التكثير والتكثير إما لفعله، أو أمر به، أو المُبَالَغَة في تحسينه كيفًا كما ذكره الْمُصَنّف
وأو لمنع الخلو؛ إذ الأمر بالْفعْل بدون فعل غير مستحسن، لكن أراد به التَّنْبيه عَلَى أن كل
واحد منهما حسن وممدوح عَلَى حياله.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وفَّر وأتم ما التزمه أو أمر به أو بالغ في الوفاء. يريد أن التكثير المُسْتَفَاد من صيغة وفَّى
إما باعْتبَار كثرة الْمَفْعُول وهي الكثرة بحسب الكم فهو الوجه الأول، وإما باعْتبَار المُبَالَغَة في الْفعْل
وهي الكثرة بحسب الكَيْف فهو الوجه الثاني.