تَعَالَى: (لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا) أي في الْأَرْض لأن عوج الْأَرْض الواسعة لما كان
يعرف بالمساحة كان مدركًا بالبصيرة لا بالبصر. قال في سورة طه: والثالث باعْتبَار [المقياس]
ولذلك ذكر العوج بالكسر وهو مختص بالْمَعَاني. أي ما علم بالمقياس أمر دقيق لطيف يلحق
بالْمَعَاني وإن كان وصفًا في الأعيان .
قَوْلُه تَعَالَى: (قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ
الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2)
قوله: (مستقيمًا معتدلًا) معنى الاستقامة الاعتدال ولذا قال معتدلًا وفيه اسْتعَارَة
مصرحة.
قوله: (لا إفراط فيه ولا تفريط) أي لا إفراط فيما نطق به من الأحكام الشرعية
الفرعية كالأغلال والآصار التي تجب عَلَى بني إسرائيل، ولا تفريط فيه بعدم بيان ما يحتاج
إليه حتى يحتاج إلَى كتاب، وفيه نوع رمز إلَى منع الرهبانية التي ابتدعوها. قال عَلَيْهِ السَّلَامُ:
"إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين [أحدُ] إلا غلبه"الْحَديث. ولم يجعله توكيدًا كما في الكَشَّاف
لأن التأسيس أولى من التوكيد حيثما أمكن التأسيس، وهنا كَذَلكَ كما قرره لأن للقيم معنى
غير نفي العوج فحمله المص عليه لما ذكرناه لأن انتفاء الإفراط والتفريط غير اختلال اللفظ
والْمَعْنَى وهو ظَاهر .
قوله: (أو قيمًا بمصالح العباد) معنى آخر له عطف عَلَى مستقيم وذكر قيمًا ليتعلق به
بمصالح العباد، ومعنى كونه قيمًا بمصالح العباد بيانها لهم من الأفعال والتروك التي بها
ينتظم المعاد والمعاش سواء كان متعلقًا بالاعتقادات والعمليات والأخلاق فيعل من قام
كسيد من ساد وهو أبلغ من القائم، فلذا اخْتيرَ قيمًا لإفادة المُبَالَغَة في تكفله بمصالح العباد
بحَيْثُ لا يحتاج إلَى سائر الإرشاد، وأما الْحَديث والْقيَاس فراجع إليه في الْحَقيقَة .
قوله: (فيكون وصفًا له بالتكميل بعد وصفه بالكمال، أو على الكتب السابقة يشهد بصحتها) [بعد
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: مستقيمًا معتدلًا ناظر إلَى جعل قيمًا لازمًا. وقوله أو قيمًا بمصالح العباد ناظر إلَى
جعله متعديًا بواسطة حرف الجر فعلى معنى التعدية يكون ذكر قيما بعد قوله:(وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ
عِوَجًا)وصفًا للكتاب بأنه مكمل بعد وصفه بالْكَمَال فإن نفي العوج عنه وصف
سلبي دال عَلَى كماله في نفسه، ثم وصفه بأنه قيم بمصالح العباد أو قيم عَلَى الكتب السالفة وصف
له بالتكميل .
قوله: أو عَلَى الكتب السالفة عطف عَلَى قوله بمصالح العباد، وهذا أَيْضًا ناظر إلَى ملاحظة
معنى التعدية في (قيما) حيث أريد تعلقه في أحد التوجيهين بمصالح العباد وفي
الآخر بالكتب السابقة .