قوله: (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ) ثلاثمائة وثلاثة عشر بعدد أهل
بدر ( [وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ] ) وعيد لهم على ظلمهم في ترك الجهاد) فلما كتب الفاء فيصحه. والْمَعْنَى لما قَالُوا ذلك
دعا نبيهم الله تَعَالَى وسأل لهم ملكا فأكرمه تَعَالَى بإجابة مسئوله ونصب لهم طالوت ملكأ
وفرض عليهم القتال فلما كتب عليهم القتال تولوا. أي أعرضو كما قال لهم نبيهم(هَلْ
عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ)الآية. لكن لا في ابتداء الأمر بل بعد مشاهدة كثرة العدو
وإنَّمَا ذكر مآل أمرهم إجمالًا سيجيء فحِينَئِذٍ كون تولوا جوابًا لقوله (فلما كتب) مشكل
بحسب الظَّاهر لأنه يقتضي اتحاد الزمان مع أنه لا اتحاد هنا والتفصي عنه أن زمان فرض
القتال باق إلَى وقت التولي وباعْتبَار اسْتمْرَاره يتحد زمانه مع زمان التولي. قوله في ترك
الجهاد بيان أن ظلمهم لذلك لا لغيره، وبهذا يعلم الربط بما قبله قوله بعدد أهل بدر. أخرجه
البخاري عن البراء رضي اللَّه عنه كذا قيل. وجملة (واللَّه) الآية. تذييل مقرر
لما قبله لأن التبجيل عَلَى ظلمهم يقرر توليهم.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكًا قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ
الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ
وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (247)
قوله: (وقال لهم نبيهم) هذا الْقَوْل مقدم نزولًا وإن تأخّر تلاوة كما مَرَّ نظيره من أن
قَوْلَهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ منكم) الآية. متقدم نزولًا عَلَى قوله(أَرْبَعَةَ
أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)ومتأخّر في التلاوة ونظائره كثيرة: (إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا) فعلم
منه أنهم أرادوا بقولهم (ابعث لنا ملكًا) لنبيهم ادع الله تَعَالَى أن يبعث لنا ملكًا ولمنا كان بعث
الملك مستلزمًا للأمر بالقتال وفرضيته لم يذكر ذلك هنا. ولا يقال إنه اكتفى بذكره أولًا لما
عرفت أنه مؤخر نزولًا، والقرينة عَلَى تلك الإرادة أنه لا ينصب ملك إلا بفرض القتال
ويحصل به تعظيم شأن المبعوث، وأما الْقَوْل بنسبة البعث إلَى الله تَعَالَى فيه دفع ذهاب وهم
إلى أن يكون تعيينه عن ميل ونسبته إليه فمن طغيان القلم؛ لأن بعث النَّبيّ إنما هُوَ بالوحي
ولو قيل وقال لهم نبيهم إني بعثت لكم طالوت ملكًا لكان الْمَعْنَى عين ما ذكر هنا.
قوله: (طالوت. علم عبري كدَاوُود، وجعله فعلوتا من الطول تعسف يدفعه منع صرفه)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: يدفعه منع صرفه؛ لأن كونه مشتقًا من الطول بجعله لفظًا عربيًا فلا يبقى مع العلمية علة
أخرى ليتحقق فيه علتا منع الصرف بخلاف كونه عجميا، فإن فيه حِينَئِذٍ علتين العجمة والتعريف.
ولما كان في الاسْتعْمَال ممنوعًا من الصرف علم أنه عبري عجمي فإن ما عدا العربية من اللغات
كلها عجمية والحاصل أن امتناعه من الصرف لأجل عجميته وهي تنافي الاشْتقَاق، إلا أن يقال إن