من القتل وأصعب منه لدوام تعبها وتألم النفس فلا جرم أنه يوجب القتال. قوله والإفراد عن
الأولاد إشَارَة إلَى أن أبنائنا عطف عَلَى ديارنا متعلق بالإخراج باعْتبَار تضمين معنى الإفراد
أو من قبيل:
علفتها تبنًا وماء باردًا
وذكر الأوطان مع أن الْمَذْكُور في النظم الجليل الديار؛ إذ الْمُرَاد بالديار مواضع الإقامة
ودلالة الوطن عليها أوضح؛ ولهذا فسرها بالأوطان، أَلَا [تَرَى] أنه في كتب الفقه عبر عن موضع
الإقامة بالوطن وقَالُوا الوطن الأصلي كذا فتفسير الْكَلَام بمرادف أوضح طريقة عليه زائغة ومثل
هذا لا يوهم فضل البدل عَلَى المبدل بل لا يسمى مثل هذا بدلًا ولا مبدلًا، وأما ذكر الأولاد
الشاملة للبنات فللإشَارَة إلَى أن إفراد الأبناء بالذكر لكونهم أشرف الأولاد وأن فراقهم من أقوى
أسباب القتال، والْمُرَاد مطلق الأولاد مَجَازًا بطَريق ذكر الخاص وإرادة العام، وهو من البلاغة
والبراعة، وأما كون العرب عدم استئناسهم بالبنات فلا ينافي تضجرهم عَلَى الانفراد عنهن
باستيلاء العدو واستفراشهم واستخدامهم بل الانفراد عنهن بهذا الأسلوب أشق عليهم من
الانفراد عن الابن المحبوب ؛ إذ استفراش البنات بغير وجه شرعي لا سيما باستيلاء الأعداء نعوذ
باللَّه تَعَالَى أصعب من كل صعب وأشق عَلَى النفوس من كل تعب عَلَى أن هذا القوم كون عدم
استئناسهم بالبنات غير معلوم بالْبَيّنَات فمن غفل عن هذه النُّكْتَة الرشيقة والمزايا الأنيقة مع
تعصيه في بيان اللطائف العميقة شنع عَلَى الْمُصَنّف طاب اللَّه ثراه بأن ذكر الأوطان بدل الديار
والأولاد بدل الأبناء من سوء الأدب حيث أوهم فضل البدل عَلَى المبدل ، ومن أحسن من اللَّه
قيلًا. وليس لكلام المعجز بديلًا، ولا يخفى أن هذا من أشنع إساءة الأدب لأن الْمُفَسّرينَ برمتهم
فسروا اللَّفْظ الكريم بلفظ آخر لتبيين الْمَعْنَى وتوضيح المبنى وهذا المتصلف نفسه أوضح النظم
الجليل بلفظ آخر في مواضع كثيرة وأنه لا بد منه أو طريق التَّفْسير لا يكون إلا بهذا الأسلوب
ففي الْحَقيقَة تشنيع عَلَى الصلف وعلى نفسه من حيث لا يدري .
قوله(وذلك أن جالوت ومن معه من العمالقة كانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر
وفلسطين)وذلك والعمالقة والعماليق من ولد عمليق كقنديل وعملاق كقرطاس ابن [لاوذ] بن
إرم بن سام بن نوح. وفِلسطين بكسر الفاء وقد تفتح كورة بالشام تقول في حال الرفع بالواو وفي
النصب والجر بالياء أو يلزمها الياء في كل حال. كل ذلك من القاموس كذا قيل.
قوله:(وظهروا عَلَى بَني إسْرَائيلَ فأخذوا ديارهم وسبوا أولادهم وأسروا من أبناء
الملوك أربعمائة وأربعين)وظهروا أي غلبوا عليهم وهذا صريح في أن القوم ليس من
العرب الَّذينَ لا يستأنسون بالبنات، وقد اعترف المعترض الْمَذْكُور ذلك في تقرير الرّوَايَة .