قَوْلُه تَعَالَى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء فَأَخْرَجْنا
بِهِ أَزْواجًا مِنْ نَباتٍ شَتَّى (53)
قوله: (مرفوع صفة لـ رَبِّي) مادحة ولا يضره الفصل بقوله: (ولا ينسى) .
لأنه ليس بأجنبي فـ [حِينَئِذٍ] يكون من كلام مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ولا يضره قوله: (فأخرجنا به)
لأنه حكاية كلام الله تَعَالَى سيجيء الإشَارَة إليه من المص .
قوله: (أو خبر لمَحْذُوف) أي هُوَ الذي الخ. عَلَى أنه جملة مُسْتَأْنَفَة كأنه تَعَالَى لما
حكى كلام مُوسَى إلَى قَوْله: (لا يضل ربي ولا ينسى) سئل ما أراد مُوسَى
عَلَيْهِ السَّلَامُ بقوله: (ربي) فقال الذي فهو اسْتئْنَاف بياني خبر لمبتدأ مَحْذُوف
فلا يكون من كلامه مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فلا يحتاج في قوله: (فأخرجنا به) إلَى
التمحل غير الالْتفَات .
قوله: (أو منصوب عَلَى المدح) فيكون من كلام مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فهو كالأول في
توجيه قوله: (فأخرجنا به) .
قوله:(وقرأ الكوفيون [هنا وفي «الزخرف» ] مَهْدًا أي كالمهد تتمهدونها، وهو مصدر سمي به، والباقون
مهادًا) كالمهد أي الْكَلَام عَلَى التشبيه البليغ أي أنها لكم كالمهد للصبي تتمهدونها صفة
للمهد لأن لامه عهد ذهني فيكون في حكم النكرة، فالأوضح ما قيل من أن قوله كالمهد
متعلق بقوله تتمهدونها مقدم عليه. والْمَعْنَى تطؤونها ومعنى جعلها مهدًا جعلها متوسطة بين
الصلابة واللطافة حتى صارت مهيأة لأن تقعدوا وتناموا عليها كالمهد للصبي لينام عليه. وفيه
رمز إلَى أنكم كالصبيان في عدم تمييزكم بين النافع والضار إلا من عصمه الله تَعَالَى منكم
وهو مصدر أي في الأصل مصدر بمعنى بسط ووطأ سمي به ما [يوطأ] ويبسط تسمية
الْمَفْعُول بالمصدر.
قوله: (وهو اسم ما يمهد) فلا نقل فيه من المصدر .
قوله: (كالفراش أو جمع مهد) كالفراش لفظًا ومعنى أو جمع مهد مثل كعب وكعاب
والجمع باعْتبَار جوانب الْأَرْض أو الأقاليم ووجه الإفراد لأنه طبقة واحدة ولم يختلفوا أي
الكوفيون والباقون في الذي أي في المهاد الذي في النبأ أي في سورة النبأ فقرءوا:
(مهادًا) فهو إما مَفْعُول ثانٍ لجعل إن جعل بمعنى التصيير وهو الظَّاهر أو حال
إن جعل بمعنى خلق فهذه الآية الكريمة كالبرهان لما قبله تدل عَلَى كمال قدرته وشمول
علمه فـ [حِينَئِذٍ] يندفع الإشكال الذي أوردناه من أن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أخبر بأن علمه تَعَالَى
محيط بذلك كله بدون برهان لكن مضمون الصلة لا بد وأن يكون معلومًا للمخاطب
وفرعون لم يعلم ذلك لكونه دهريًا جاهلًا بالصانع لكن نزل تمكنه من العلم منزلة العلم .
قوله:(وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا بين الجبال والأودية والبراري تسلكونها من أرض إلى
أرض)السلك إدخال الشيء في الشيء كالخيط في المخيط والرمح في المطعون كذا بينه