يترددون فيها. تفسير له عَلَى القراءة الثلاثة الأخيرة؛ إذ معنى المرور حِينَئِذٍ عَلَى ظاهره
بخلاف القراءة الأولى فإن الْمُرَاد به هناك المشاهدة سواء كان بالمرور والعبور أو لا. أَلَا
[تَرَى] أن الآيات في السَّمَاوَات لا يتصور فيها المرور والتردد في جميعها، وأما هَاهُنَا فالْمُرَاد
التردد والسير فيها كقَوْله تَعَالَى:( [أَفَلَمْ] يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ
مِنْ قَبْلِهِمْ) الآية. ولهذا قال المص فسيرون آثار الأمم الهالكة تنبيهًا عَلَى
أن الْإخْبَار بالمرور ليس فيه فَائدَة الخبر والمقصود لأزمه. وقيل فيشاهدون ما فيها من
الآيات انتهى. كأنه أَشَارَ إلَى أن مآل هذه القراءة والقراءة الأولى واحد لكن اعتبار المص
أدق وبالقبول أحق لما أيدناه بالْقَوْل الحق، وَأَيْضًا عَلَى ما اختاره في النظم الجليل فيه ذم
وتسفيه عَلَى وَجْهَيْن. الأول: عدم النظم في الآيات العلوية. والثاني عدم اتعاظهم بالآثار
السفلية والاكتفاء بذكر الآيات العلوية وبذكر الآثار السفلية فيه من الحسن ما لا يخفى عَلَى
النفوس الزكية.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ(106)
قوله: (في إقرارهم بوجوده وخالقيته.(إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) بعبادة غيره أو باتخاذ الأحبار
أربابًا. ونسبة التبني إليه تعالى، أو القول بالنور والظلمة أو النظر إلى الأسباب ونحو ذلك) قيل كان
لفظ الإقرار إشَارَة إلَى أنه إيمان لساني؛ إذ لا اعتداد مع الشرك انتهى. ولا يخفى أنه لا ينتظم
هذا بالنظر إلَى الاشتراك بالنظر إلَى الْأَسْباب فالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: فائدته التعميم أي في إقرارهم
بوجوده سواء مواطئاً لفؤادهم أو لا. فإن معنى النظر إلَى الْأَسْباب كأن يقولون نفعني فلان
وضرني فلان ومثل هذا لا ينافي التصديق بالقلب كما يشير إليه مَوْلَانَا سعدي قلما ينجو منه
أحدًا انتهى. نعم ينافي كمال الإيمان ولهذا لا ينظر الخواص إلَى الْأَسْباب بل النظر إليها
شأن العوام ولو قيل الْمُرَاد بالنظر إلَى الْأَسْباب كون الأسباب مؤثرة عنده وهذا شرك ينافي
الإيمان، لكنه خلاف الظَّاهر؛ إذ بعض المواضع صرح فيه المص أن النظر إلَى الْأَسْباب شأن
العوام دون الخواص ومعلوم أن المثبت للعوام دون الخواص ليس النظر بطَريق التأثير.
قوله: (وقيل الآية في مشركي مكة) فيكون الْمُرَاد بالإشراك الإشراك بعبادة غيره فقط.
قوله: (وقيل في الْمُنَافقينَ. وقيل في أهل الْكتَاب) فيكون الْمُرَاد بالإشراك اتخاذ
الأحبار أربابًا؛ إذ المُنَافقُونَ أكثرهم من أهل الْكتَاب، وكذا الْكَلَام في قوله وقيل في أهل
الْكتَاب. وجه التمريض أن العموم ظَاهر والتَّخْصِيص خلاف الْمُتَبَادَر مع أنه لا يتناول الْقَوْل
بالنور والظلمة والنظر إلَى الْكتَاب.
قَوْلُه تَعَالَى: (أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ
يَشْعُرُونَ (107)
قوله: (أَفَأَمِنُوا) أي ألم يتفكروا فأمنوا الاسْتفْهَام بالإنكار الواقعي التوبيخي.
قوله: (عقوبة) مَوْصُوفة غاشية اختارها لتأنيث الغاشية.