العلم وغيره. قال المص في سورة الزخرف (وأنهم كانوا يعبدون الله [والأصنام] والأوثان) انتهى. وهنا
قال وكان من آبائهم من عبد اللَّه تَعَالَى فبين الْقَوْلين نوع تنافر فإن من عبد الله هُوَ آباؤهم
على ما فهم هنا وأنفسهم عَلَى ما فهم من كلامه في سورة الزخرف، والتوفيق هُوَ أن عبادة
الله تَعَالَى مع عبادة غيره كلا عبادة فمن عبده مع عبادة غيره كأنه عبد غيره ولم يعبده تَعَالَى
كذا صرح في قَوْله تَعَالَى:(وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ
إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ)الآية. وكلامه هنا مبني عَلَى ذلك وكلامه في سورة
الزخرف بناء عَلَى ظَاهر عبادته تَعَالَى، وكون الاستثناء متصلًا بني هنا عَلَى أنهم ليسوا عابدين
له حَقيقَة وجعل الضَّمير لكل معبود سواء كان معبودهم أو معبود آبائهم عَلَى طريق
الاسْتخْدَام ؛ إذ لا [تقتصر] الإرادة عَلَى الأصنام بقرينة الاستثناء لأن الأصل فيه الاتصال، وأما
الانقطاع فمجاز كما في التوضيح وفي في سورة الزخرف كونه متصلًا عَلَى أنهم عابدون له
تَعَالَى أَيْضًا بحسب الظَّاهر ولو لم يكن معتدًا به فاندفع بذلك التوفيق اضطراب العلماء
هنا كما لا يخفى .
قَوْلُه تَعَالَى: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ(78)
قوله: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ) صيغة الْمُضَارِع هنا لأن الهداية مستقبل
بالنسبة إلَى الخلق .
قوله:(لأنه يهدي كل مخلوق لما خلق له من أمور المعاش والمعاد كما قال وَالَّذِي
قَدَّرَ فَهَدى)لأنه يَهْدي كل مخلوق سواء كان من ذوي العلم أو لا لما خلق
له طبعًا أو اختيارًا الأول في الحيوان وهو ظَاهر، والثاني في النباتات فإنها تتوصل إلَى كماله
بالتغذية طبعًا لا اختيارًا. وتمام التَّفْصيل في قَوْله تَعَالَى: (والذي قدر فهدى) .
حمل الهداية عَلَى الْمَعْنَى اللغوي وهو التعريف كَيْفَ يرتفق بما أعطاه الله تَعَالَى إياه وكَيْفَ
يتوصل به إلَى بقائه وكماله اختيارًا أو طبعًا. قال المص في قَوْله تَعَالَى:(والذي قدر
فهدى)فوجهه إلَى أفعاله طبعًا أو اختيارًا بخلق الميول والإلهامات ونصب
الدلائل وإنزال الآيات لأن المقام مقام استدلال عَلَى أن الْعبَادَة بالحق مختصة باللَّه تَعَالَى
لأنه هاد ومعرف كل مخلوق لما خلق له والجماد بمعزل عن ذلك مع أنه شامل للهداية في
أمر الدين لكن قوله والمعاد ليس بعام لكل مخلوق بل هُوَ مختص بذوي العقول ؛ إذ الحكم
بشيء عَلَى كل [الأفراد] لا يستلزم الحكم عَلَى كل فرد فرد منه ولو سلم فالعقل يخصصه .